الثلاثاء، 11 مايو، 2010

انعكاسات تدويل حقوق الإنسان على وضع الفرد في إطار القانون والعلاقات الدولية

انعكاسات تدويل حقوق الإنسان على وضع الفرد في إطار القانون والعلاقات الدولية

أ. د/ محمد محمد سعيد الشعيبي
أستاذ القانون الدولي
كلية الحقوق ـ جامعة تعز

المقدمة:
الحمد لله، والصلاة والسلام على البشير النذير المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد عليه أزكى الصلوات وأتم التسليم وبعد،،،
فإن من عناية الله بالإنسان وتكريمه له أن خلقه وعصم دمه وماله وعرضه، وأحاط كافة حقوقه بالصيانة، وضمنها بالأمن عليها.
ولقد أدرك عقلاء البشرية أهمية هذه الحقوق ودور حمايتها في استقرار الحياة، فكانت جهود المجتمع الدولي بعامة والدول بخاصة متجهة لخدمة هذا المجال والرقي به.
ولما كان الفرد محور كل تلك الجهود ثار إشكال حول وضع الفرد على المستوى الدولي، كما أثرت موضوعات حقوق الإنسان بزخمها الجديد على تلك المكانة , ولكل تلك التأثيرات ما يحيط بها نظرياً وواقعياً.
وفي هذا الإطار يسلط البحث أضواء على الموضوع انطلاقاً من عدة تساؤلات:
هل بالإمكان أن يستمد الفرد ما يتمتع به من حقوق وما يتحمله من التزامات مباشرة من القانون الدولي؟ أم انه يستمدها عن طريق غير مباشر عبر دولته؟
أي هل الفرد موضوع من موضوعات هذا القانون؟ أم انه شخص له من الحقوق وعليه من الواجبات ما يمكنه من التمتع بمزايا حقوقية على الصعيد الدولي؟
وبالمقابل هل يمكن اعتبار المد الجديد لحقوق الإنسان بمثابة تطور لمكانته القانونية؟ أي ما هو أثر تدويل حقوق الإنسان على الفرد؟
وللإجابة على تلك الأسئلة انتظمت الدراسة مبحثان رئيسيان الأول عن تطور مكانة الفرد في القانون الدولي، والثاني يتناول أثر تدويل حقوق الإنسان على وضع الفرد في القانون الدولي.

المبحث الأول
تطور مكانة الفرد في القانون الدولي

لا يزال الحديث عن وضع الفرد في القانون الدولي يثير إشكالاً لا يمكن تجاهله , ومع ذلك فكل الدول تسعى من خلال انتظامها في الحركة الدولية لضمان المزيد من الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والسياسية المتعلقة بها باعتبارها كياناً مستقلاً, وكل تلك المكاسب تعود على الفرد وتتمحور حول مصالحه وأهدافه في الحياة.
ولعل جانب الحقوق السياسية للفرد هو الأهم في هذا السياق, غير أن مما يجزم به أن هذا الجانب شهد تطوراً كبيراً فقد سعت الدول نحو توفير مناخات تحسن من دور الفرد, وبلغت مبلغاً حسناً في تهيئة الفرد للدفاع عن حقوقه وصيانتها, وأصبح الاستقرار السياسي للدول يرتبط مباشرة بمناسيب ممارسة الفرد لحقوقه وتوفير الضمانات الكفيلة بصيانتها([1]).
والإشكال يدور حول الوضع القانوني للفرد في مجال القانون الدولي والعلاقات الدولية وهل يعتبر موضوعاً من موضوعاته أو شخصاً من أشخاصه؟ وهو ما يعرضه البحث في المطلبين التاليين.
المطلب الأول
الفرد موضوع من موضوعات القانون الدولي

ترى المدرسة الوضعية أن الفرد واحد من موضوعات القانون الدولي, ولا يمكن اعتباره أحد أشخاصه, ومن أقطاب هذه المدرسة الفقيهان (أنزيلوتي) و ( ترييبل )([2]).
ويؤسس هذا التوجه على الفصل بين النظام القانوني الدولي وأشخاصه وهم الدول والنظام القانوني الداخلي وأشخاصه وهم الأفراد.
ويلزم من هذا الفصل إنكار اشتراك الفرد بشخصه في العلاقات الدولية, وبالتالي لا يمكن توجيه قواعد القانون الدولي للفرد حال التطبيق, وهذا ما يدعو لاعتباره أحد موضوعات القانون الدولي لا أشخاصه!! ([3])
ومن المسوغات التي يعتمد عليها هذ1التوجه أن الفرد لا يبرم معاهدة دولية ولا اتفاقية وليس له حق التمثيل الدبلوماسي والقنصلي وليس له ذلك بصفته , وهكذا كل أعمال الدولة على مستوى العلاقات الدولية.([4])
كما لا يعتبر انضمام الفرد إلى منظمة دولية مسوغاً لاعتباره شخصية دولية ؛ لندرة مثل هذا الحال على الصعيد الدولي.
ومن آثار هذا التوجه أن المعاهدات الدولية لا تخاطب الأفراد ولا تعنيهم، وهو ما يعني عدم ترتب الالتزامات والحقوق للفرد وعليه.
وفي حالة تعلق معاهدة دولية بوضع الأفراد فإن آثارها تقتصر على فرض التزامات على جميع أطرافها مستندة إلى القانون الداخلي لا الدولي.
ولهذا الرأي تأثير في القضاء، يمكن التمثيل له بما قررته المحكمة المالية في الرايخ الألماني بتاريخ 7/12/1926م أن القانون الدولي لا ينشئ حقوقاً ولا التزامات إلا بين الدول وأنه يخاطب الدول وحدها لا القضاة أو الأفراد فكلهم يخضع للقانون الداخلي، وأن المعاهدات الدولية لا يكون لها قوة القانون بالنسبة للمحاكم والمواطنين إلا بعد تحولها من جانب القانون الداخلي.
وأعربت محكمة العدل الدولية الدائمة عام 1928م عن نفس الموضوع حيث أكدت على "أن مصادر القانون الدولي لا تستطيع خلق حقوق وواجبات مباشرة للأفراد"، وهكذا يتأكد أن الاتفاقية الدولية لا تنشئ للأفراد حقاً بطريق مباشر، ويظل الفرد في دائرة القانون الداخلي وليس الدولي([5]).
ويقول (أنزيلوتي) مناصراً لهذا التوجه : "إن الفرد لم يوضع في اعتبار قواعد القانون الدولي وبالتالي فهو لا يستطيع أن يستمد منها أية حقوق، ولا توجد ثمة مسئولية تقع على الدولة في مواجهة الفرد طبقاً للقانون الدولي([6]).
وإزاء ما ذكرنا يخلص اتجاه المدرسة الوضعية إلى عدم الاعتراف بالشخصية القانونية الدولية للفرد, وأن ما يقرر له من حقوق والتزامات على المستوى الدولي إنما تقرر له بناءً على اتفاقيات دولية أطرافها الدول والمنظمات والهيئات الدولية وليس الأفراد.
ولنا في تقدير هذا التوجه أنه وإن كان ينطلق من ملاحظة الواقع الدولي إلا أنه يغفل عن الدور الكبير الذي يقوم به الفرد على المستوى الدولي, يعزز هذا الدور موضوع حقوق الإنسان بكل تجلياته على الصعيد الدولي ومحورية دور الفرد بصددها.
المطلب الثاني
الفرد شخصاً من أشخاص القانون الدولي

إن تطورات المجتمع الدولي وحاجياته الأساسية استدعت الاعتراف للفرد بذاتٍ مستقلة تطورت إلى درجة أن أصبح هو المخاطب الحقيقي بكل قواعد القانون الدولي، ووفقاً لذلك اعتبر الفرد شخصاً من أشخاص القانون الدولي استنادا إلى العديد من الحجج التي أبرزت للفرد مكانة متميزة من خلال: ([7])
§ التغيرات الجذرية التي مست بنيان القانون الدولي، والتي شكلت تطوراً مهماً في سيادتها القانونية عامة جعلت من الفرد الهدف الرئيسي من تلك الميادين والقواعد كونها تخاطب سلوكه بالحماية والتجريم([8]).
§ المبادئ المستحقة من عمل القضاء الجنائي الدولي والتي أكدت مبدأ السلوك الجنائي للفرد ذلك أنه من غير الممكن إسناد مثل ذلك السلوك إلى الدولة التي تستعصي طبيعتها ذلك.
§ الأحكام الصادرة عن القضاء الجنائي الدولي وبالذات محاكمة نورمبروج في حكمها الشهير الذي جاء في منطوقة:( أن الأفراد وحدهم هم الذين يرتكبون الجرائم الدولية ضد القانون الدولي وليست الكيانات المعنوية، ولا يتحقق تنفيذ قواعد هذا القانون إلا عن طريق معاقبة الأفراد الذين ارتكبوا تلك الجرائم([9]).
§ تأكيد معاهدة فرساي 1919م على أن جميع الأشخاص مهما علت منزلتهم يعتبرون مسئولين عن الجرائم المرتكبة بالمخالفة لقوانين وإعادته لحرب القوانين الإنسانية.
§ تأكيد الحكم الصادر عن محكمة العدل الدولية بشأن الكونت برناناندو على أن أشخاص القانون الدولي ليست متماثلين بالضرورة وإن منحهم هذه الشخصية مسألة نابعة عن احتياجات المجتمع الدولي وعليه فإذا كانت ضرورة متطلبات المجتمع الدولي قد اقتضت أن يمنح الأفراد بعض الحقوق وأن يتحملوا بعض الالتزامات فإنه يغدو من المحتم أن يتمتعوا بالشخصية القانونية الدولية.
§ تأكيد العديد من الاتفاقيات على مسائلة الفرد جنائياً مثل: القرصنة في أعالي البحار , وتجارة الرقيق والمخدرات والمطبوعات الممنوعة وأعمال الإرهاب وجرائم التمييز العنصري.
ويوقع العقاب على مرتكبي تلك الجرائم وأمثالها بواسطة الدولة التي وقعت الجريمة فوق إقليمها تطبيقاً لمبدأ إقليمية العقوبة.
ومن الاتفاقيات الدولية التي نصت على أفعال يسأل الفرد عنها دولياً ما يلي:
v اتفاقية إبادة الجنس لعام 1948م.
v اتفاقات جنيف الأربعة لعام 1949م وملحقاتها .
v اتفاقيات الاستيلاء غير المشروع على الطائرات لعام 1970م.
v اتفاقية قمع الأفعال غير المشروعة ضد سلامة الطيران المدني لعام 1971م.
v الاتفاقية الدولية ضد اتخاذ الرهائن لعام 1979م.
v اتفاقية قمع الأفعال غير المشروعة ضد سلامة الملاحة البحرية لعام 1988م.
v الاتفاقية الدولية لمناهضة تجنيد المرتزقة لعام 1989م.
v اكتساب الفرد للحقوق بمقتضى الاتفاقيات الإنسانية.([10])
v الآثار المترتبة على إبرام المعاهدات الدولية التي تتجه نحو الفرد.
وإذا كان من المقرر دولياً أن آثار المعاهدات لا تسري إلا على أطرافها، بما يعني أن الفرد غير متأثر بها إلا أن الفرد يتأثر بها باعتباره مكوناً في كيان الدولة الموقعة على المعاهدة, ويستفيد من الحقوق التي ترتبها تلك المعاهدات وفي ذات الوقت يتحمل الالتزامات المترتبة على هذه المعاهدات([11]).
ـ ينص قانون حقوق الإنسان على أنه لا يضر بمحاكمة كل مرتكب لجريمة تعتبر كذلك وفقاً للمبادئ العامة للقانون المعترف به من مجموعة الأمم([12]).
وصفوة القول أن مجمل ما بيناه سواء من آراء الفقهاء أو ما أشارت إليه الاتفاقيات أو ما حسم في القضاء الدولي سواءً قضاء محكمة العدل الدولية أو القضاء الجنائي الدولي واستناداً على كل الاعتبارات التي بيناها فلا مناص من التأكيد على أن الفرد أهم شخص من أشخاص القانون الدولي.
المبحث الثاني
أثر تدويل حقوق الإنسان على وضع الفرد في القانون الدولي

مرت العلاقات الدولية بمراحل مهمة تميزت كل مرحلة منها بتقدم ملموس انعكس على مظاهر الحياة العامة للدول في نواحي اقتصادية واجتماعية وسياسية وعلمية.
ومن أبرز صور حضور الفرد على المستوى الدولي قيام عدد من المحاكم الدولية بالفصل في المنازعات ذات العلاقة بحقوق الإنسان ومنح الفرد الحق في أن يمثل طرفاً في هذه النزاعات أو الدعاوى([13]).
من أمثلة ذلك محاكم التحكيم المختلطة التي أنشأتها معاهدات الصلح عام 1919م, و1920, ولجان التحكيم المختلطة في أعقاب الحرب العالمية الثانية.([14])
يضاف إلى ذلك تمكين القضاء الدولي من تأسيس فقه متواتر يكفل فض المنازعات ورعاية الأمن والاستقرار عن طريق حماية الإنسان وضمان تنفيذ الالتزامات الواقعة على الدول في هذا الشأن([15]).
على أن التطور الأبرز يتمثل هنا بالتوقيع على النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية وشروع هذه الأخيرة في ممارسة اختصاصاتها تأسيساً على مبدأ المسئولية الجنائية للأشخاص الطبيعيين. وبذلك يمكن القول ان حقوق الإنسان احتلت مكان الصدارة في القانون الدولي العام (مطلب أول) وأولوية حقوق الإنسان في القوانين والأنظمة الوطنية (مطلب ثاني).
المطلب الأول
صدارة حقوق الإنسان في القانون الدولي العام

أصبحت حقوق الإنسان من أكثر المجالات أهمية في العلاقات الدولية, وسبقت الإشارة إلى انحسار الاتجاه التقليدي في أطراف العلاقات الدولية المنصب على الدولة, وتنامي دور الفرد من خلال حقوق الإنسان التي تشمل حق الفرد في الحياة وحقه في التعبير والتفكير والمعتقد, وكذلك حماية الحريات ومنع التمييز العنصري, وتجريم التعذيب والاستعباد والإبادة الجماعية. بل خطى المجتمع الدولي خطوات مهمة نحو إقرار العديد من الحقوق التي تمثل أجناس جديدة من حقوق الإنسان كالحق في التنمية والحق في السلام والحق في الأمن الإنساني. ([16])
والأكثر من ذلك كله أن مجمل تلك الحقوق أضحت محلاً للحماية الجنائية الدولية التي لم تعد تحول دونها الحصانات التقليدية([17]).
وهذا الحضور القوي للحماية الدولية لحقوق الفرد يدل على التوجه الجاد للخروج من النطاق الضيق الذي يحكم العلاقات الدولية إلى مجال أكثر سعة يكون الفرد محوراً مهماً من محاوره.
ولعل الانتهاكات التي يتعرض لها الفرد بصور مختلفة في أنحاء متفرقة من العالم كانت الدافع الرئيس لتحريك المجتمع الدولي للقيام بمزيد من الأعمال لإنقاذ الفرد من كل أشكال التجاوزات وصور الاستغلال.
وبالعودة إلى الجهود الدولية في مجال حقوق الإنسان وأثرها في الارتقاء بالوضع القانوني للفرد نذكر الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر عام 1948م, والعهدين الدوليين لسنة 1966م, الأول تضمن الحقوق الاجتماعية والاقتصادية والثقافية, والثاني تضمن الحقوق المدنية والسياسية, هذا بالإضافة إلى صكوك أخرى خاصة بحماية حقوق الإنسان أهمها الاتفاقيات الدولية للقضاء على كافة أشكال التمييز العنصري, واتفاقية القضاء على كافة أشكال التمييز ضد المرأة، واتفاقية مكافحة التعذيب، وإجمالاً يمكن القول إن أبرز مظاهر اطراد تقدم مكانة الفرد في القانون الدولي نتيجة لتدويل حقوقه والسماح له عبر أربع اتفاقيات دولية لتقديم شكاوى أمام محكمة حقوق الإنسان حول انتهاك تلك الاتفاقيات ليتعلق الأمر بالبروتوكول الاختياري الملحق بالعهد المتعلق بالحقوق المدنية والسياسية واتفاقية القضاء على كل إشكال التمييز ضد المرأة واتفاقية مكافحة التمييز العنصري.
وما ينبغي الإشارة إليه بهذا الصدد أن جل الاتفاقيات السابقة تضفى حماية للفرد من خلال تقارير الدول الأطراف وكذا آليات البلاغات والشكاوى، وهكذا فإذا كانت الدول ملتزمة بموجب تلك الاتفاقيات بأن تقدم تقارير سنوية أمام مجلس حقوق الإنسان حول وضعية تطبيق الاتفاقيات.
فانه يمكن لدولة طرف في اتفاقية معينة كاتفاقية مكافحة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة المهينة([18]). أن تبلغ لجنة حقوق الإنسان بانتهاكات لاتفاقية ارتكبت فوق إقليم دولة طرف أخرى تعرض لها الأفراد.
وفوق ذلك كله أصبح ممكن للفرد أن يتقدم بشكوى ضد دولته عند تعرض حقوقه للانتهاك وذلك وفقاً لعدة اتفاقيات أهما العهد الخاص بالحقوق المدنية السياسية واتفاقية مكافحة التعذيب واتفاقية التمييز العنصري واتفاقية القضاء على التمييز ضد المرأة بمعنى أنه وفقاً لاشتراطات هذه الاتفاقيات يمكن للفرد اليوم مقاضاة دولته أمام اللجان الدولية المعنية بحقوق الإنسان كمؤشر واضح للمكانة التي يحتلها الفرد في الفقه الدولي.
المهم في الأمر أن تكون الدولة المعنية قد وقعت وصادقت وقبلت اختصاصات اللجنة المعنية وحتى في حالات عدم التصديق من قبل الدولة على مثل هذه المعاهدات بشأن انتهاكها الصارخ والمستمر للحقوق التي تضمنتها مجمل الاتفاقيات الدولية يمكن الفرد من أن يتقدم بشكوى أمام لجنة حقوق الإنسان وذلك بموجب العديد من الإجراءات منها: الإقرار رقم (1503)([19]).
هذه المكانة التي يحتلها الفرد في القانون الدولي تبرز بشكل أكثر وضوحاً على المستوى الإقليمي إذ أن العديد من الاتفاقيات الإقليمية كالاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان قد أنشأت بدورها اللجنة الأوروبية والمحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان.
وهي آليات تمكن للفرد دوراً بارزاً في الدفاع عن حقوقه من خلال إحالة قضاياه إلى اللجنة الأوروبية لحقوق الإنسان التي تقوم ببحثها ومحاولة التوصل إلى تسوية النزاع ودياً, وفي حالة إخفاقها تقوم اللجنة بإعداد تقرير تحيله إلى مجلس الوزراء, ومن ثم رفع النزاع إلى المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان, إما بواسطة اللجنة أو بواسطة إحدى الدول الأعضاء([20]).
ومن المواثيق الإقليمية أيضاً الاتفاقية الأمريكية لحقوق الإنسان التي أنشأت محكمة للنظر في انتهاكات حقوق الإنسان وكذلك الميثاق الأفريقي الأسيوي لحقوق الإنسان.
وحتى إن كانت فعالية الأجهزة المنبثقة من هذه المواثيق محل تساؤل فإن ما تحضى به كل الوثائق من قبول لدى الرأي العام العالمي والإقليمي يعزز من دور الفرد ومكانته في العلاقات الدولية, وتشير إلى صلاحيات دولية منحت للفرد كحقه في رفع الدعاوى للدفاع عن حقوقه, وحقه في المطالبة بالتعويض عن ضرر لحق به من طرف آخر, وهو ما لم يكن للفرد القيام به سابقاً حيث كان مقصوراً على المستوى الداخلي, وهو ما أصبح اليوم من الشؤون الدولية, ساعد على ذلك ثورة الاتصالات ,وفي هذا الظرف لا تتمكن دولة من الدول من انتهاك حقوق مواطنيها, ومثل هذا العمل يعد خرقاً للقانون والمواثيق الدولية.
ويرى البعض أن الحماية الدولية لحقوق الإنسان انعكاس للصراع بين الفرد والدولة, ومن الطبيعي ألا يترك الفرد فريسة لظلم الدولة وتعسفها من غير تدخل من الغير.
نخلص مما سبق إلى أن مقررات حقوق الإنسان مكنت للفرد دوراً بارزاً في العلاقات الدولية, وأصبح له حقوق دولية تقابلها التزامات حيث يسأل عن الجرائم الدولية التي يعاقب عليها, الأمر الذي يقود إلى ضرورة الاعتراف للفرد بالشخصية الدولية.
وبهذا يتضح لنا تطور مكانة الفرد على الصعيد الدولي, وذلك بعد أن أصبح مخاطباً رسمياً من قبل القانون الدولي من خلال تجريم بعض الأفعال التي يرتكبها الفرد ووضع عقوبات على الأفراد بواسطة محاكم منشأة خصيصاً لهذا الغرض, وبإمكان الفرد اللجوء إلى المحاكم الدولية في بعض الحالات من أجل المطالبة بحقوقه التي تكون قد تعرضت للانتهاك من قبل الدولة, وهنا يصبح الفرد في مواجهة مباشرة مع دولة معينة مما يجعل منه فاعلاً قادراً على لعب دور مهم في إطار العلاقات الدولية.
وأصبح من الواقع الملموس أن حقوق الإنسان قد دخلت حيز الإلزام على الصعيد الدولي وليس للدول التذرع بالضرورة لانتهاك حقوق الإنسان وهو ما يؤكد الاعتراف بالشخصية الدولية للفرد واعتباره عضواً في المجتمع الدولي المعاصر([21]).
ما يدلل على المكانة المرموقة التي أصبحت تحتلها حقوق الأفراد على المستوى الدولي.

المطلب الثاني
أولوية حقوق الإنسان في القوانين والأنظمة الوطنية

لم يقتصر القانون الدولي على الاهتمام بحقوق الإنسان على المستوى الدولي فحسب, بل سعت الدول من خلال التشريعات الوطنية والقوانين الكفيلة بحماية حقوق الأفراد بما يتواءم والتوجه الدولي في هذا السياق، إلى نقل الفرد إلى صدارة القوانين الوطنية ابتداءً بالدستور وانتهاءً بالقوانين اللصيقة، وهكذا فإذا كانت مختلف الدساتير تنطلق في منتصف القرن السابق من الحديث عن شكل النظام وكيفية تنظيم العلاقة بين السلطات أصبح الفرد اليوم جوهر هذه الدساتير ومرتكزها الأساس الذي تبدأ به وتنتهي إليه([22]).
الأمر الذي يحتم علينا تناول هذه الحقوق باعتبارها من الأولويات الأساسية لانعكاسات تدويل حقوق الإنسان.
وعليه فإن أولوية حقوق الإنسان في القوانين والأنظمة الوطنية يعد مؤشراً إيجابياً في هذا الصدد([23])، خصوصاً بعد أن أصبحت كثيراً من البلدان أطرافاً في معاهدات دولية موضوعها حقوق الإنسان, وهو ما يحمل هذه الدول التزامات قانونية لضمان حقوق الإنسان, ولتصبح هذه الحقوق واجباً وطنياً على الدولة, ولذلك يجب أن تعبر عنه التشريعات الوطنية([24]).
ووفقاً لذلك فالدولة التي تصادق على أحد صكوك حقوق الإنسان فإنها ملزمة بتنفيذ تعهدها بأن تدرج أحكامه مباشرة في تشريعاتها الوطنية أو تتعهد بالتزامها بالصك بطريقة ما.([25])
ومن مظاهر هذا الاهتمام إنشاء العديد من اللجان والمؤسسات الوطنية في كثير من البلدان لكفالة تطبيق القوانين واللوائح الخاصة بحماية حقوق الإنسان, وتعمل معظم هذه اللجان بشكل مكمل أو مستقل عن أجهزة الدولة. ([26])
إن دور مؤسسات حقوق الإنسان الوطنية([27]) تعد بمثابة الرقيب على التشريعات الوطنية الصادرة من سلطات التشريع المحلية ذات العلاقة بقضايا حقوق الإنسان, ويمكن لها أن تقدم المقترحات اللازمة لتشريعات وطنية تحمل المزيد من التمكين لحقوق الإنسان في جانبها التشريعي المحلي([28]).
ولأهمية هذه المؤسسات دعمها المجتمع الدولي, إذ جاء في إعلان فيينا .." يشجع المؤتمر العالمي لحقوق الإنسان إنشاء وتقوية المؤسسات الوطنية مع مراعاة المبادئ المتعلقة بمركز المؤسسات الوطنية والاعتراف بأن من حق كل دولة أن تختار الإطار الأنسب لاحتياجاتها الخاصة على الصعيد الوطني([29]).
يتبين من سياق هذا الإعلان أن الهدف من إنشاء المؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان توسيع المدى الثقافي لهذه الحقوق ثم رعايتها جنباً إلى جنب مع المؤسسات الرسمية, وأن من المهم مراعاة خصوصيات الدول في إقرار المبادئ والخطوط العامة لرعاية هذه الحقوق.
ونكتفي بمثال واحد للدلالة على الاهتمام بحقوق الإنسان من خلال المؤسسات والهيئات الوطنية وهو الحال في الجمهورية اليمنية حيث عبرت عن نهجها في حماية حقوق الإنسان من خلال الدستور والقوانين الفاعلة في هذا السياق, وقد خصصت وزارة باسم وزارة حقوق الإنسان تم تسميتها عام 2003م, وهي الجهاز الرئيسي المتخصص برعاية قضايا حقوق الإنسان بكل أبعادها, ومن الهيئات الفاعلة في هذا المجال: لجنة الحقوق المدنية والسياسية واللجنة الوطنية العليا لحقوق الإنسان, ولجنة القانون الدولي الإنساني, واللجنة الوطنية للنظر في أحوال السجون إضافة إلى مكتب رئاسة الجمهورية الذي يضم الإدارة العامة للحقوق والحريات والإدارة العامة للشكاوى إضافة إلى لجان تابعة لمجلس الوزراء وأخرى لمجلسي النواب والشورى, وكلها متخصصة في رعاية حقوق الإنسان, ويضاف إلى ذلك المنظمات غير الرسمية متعددة النشاطات.
الخاتمة:
على الرغم من الإشكالات التي اعترضت سبيل المجتمع الدولي بهيئاته ومنظماته من القيام بدور فاعل لاستقرار البشرية، وتنظيم شئون العالم إلا أن المجتمع الدولي قد خطى خطوات مهمة بهذا الجانب.
وإذا كان النظام القانوني الدولي التقليدي قائم على اعتبار الدولة هي شخصه الوحيد الأمر الذي أدى إلى بروز العديد من التجاوزات التي كان ضحيتها الإنسان بدرجة أساسية والتي وضعت عدة تساؤلات حول مكانة ودور الفرد في هذا النظام.
وانطلاقاً من التطورات التي عرفها القانون الدولي عموماً وبالذات ما يخص فيها مكانة الفرد فقد سعينا في هذا البحث المتواضع لتجلية كثير من الضبابية التي تلف الموضوع وخلصنا إلى عدة نتائج تدور حول مكانة الفرد في النظامين القانوني الدولي والوطني لعل أهمها:

1ـ إن حاجيات ومتطلبات المجتمع الدولي أدت إلى اعتبار الفرد شخص من أشخاص القانون الدولي.
2ـ أن الأبعاد الجديدة لمكانة الفرد في القانون الدولي قد وضعته في محل الصدارة على مستوى الاتفاقيات والمعاهدات الدولية، بل كرست جهدها على مستوى الأنظمة والقوانين الوطنية.
3ـ على الدول ان تبذل المزيد من الجهود محلياً في إطار تشريعاتها للرقي بمفاهيم حقوق الفرد وتوفير ضمانات أكيدة لحمايتها ورعايتها وعليها كذلك نشر ثقافة هذه الحقوق ودعم مؤسساتها الرسمية العاملة في هذا المجال.

آملين أن تكون النتائج التي توصلنا إليها حافزاً للباحثين لبذل كثير من الجهود لحلَّ كثير من المعضلات التي يواجهها المجتمع الدولي والتي يعد تلبية حاجيات الفرد أهم المقدمات الضرورية لتفعيل النظام القانوني الدولي.
قائمة المراجع :
1) اللجنة الأوروبية لحقوق الإنسان ودورها في تفسير وحماية الحقوق والحريات الأساسية للأفراد والجماعات, د/خير الدين عبد اللطيف محمد.
2) الوسيط في القانون الدولي العام, د/ أحمد أبو الوفا.
3) المدخل على القانون الدولي العام, د/ محمد عزيز شكري.
4) المدخل إلى القانون الدولي العام وقت السلم, محمد عزيز شكري.
5) قانون المجتمع الدولي المعاصر، د/ عمر سعد الله، ود/ أحمد بن ناصر.
6) المحكمة الجنائية الدولية، د. احمد الحميدي، رسالة دكتوراه، عام 2002م.
7) C.F r.elman. the low of wors adocumentary History 1972.
8) اللجنة الأوروبية لحقوق الإنسان ودورها في تفسير وحماية الحقوق والحريات الأساسية للأفراد والجماعات, د/خير الدين عبد اللطيف محمد.
9) تطور القانون الدولي, ولفغانغ فريد مان.
10)الأمن الإنساني، مدخل جديد لحقوق الإنسان، د/ عاطف عطيات.
11)المحكمة الجنائية الدولية ـ الموائمات الدستورية والتشريعية (مشروع قانون نموذجي).
12)اتفاقية مكافحة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو الإنسانية أو المهينة، المادة (21)و(22)، ديسمبر 1984م.
13)قرار المجلس الاقتصادي والاجتماعي لسنة 1970م وهو أقدم آليات للشكاوى في نظام الأمم المتحدة.
14)قانون المجتمع الدولي المعاصر, د/ عمر سعد؛ ود/ أحمد بن ناصر.
15)دستور الجمهورية اليمنية.
16)دستور الجمهورية العربية اليمنية سابقاً.
17)الدليل الإرشادي إلى المبادئ الأساسية لحقوق الإنسان في بالقانون اليمني والقانون الدولي, من إعداد د/ ياسين الشيباني ومراجعة د/ علي الشرفي.
18)العدد الرابع من سلسلة التدريب المهني ( مؤسسات حقوق الإنسان الوطنية) الصادر عن مركز حقوق الإنسان ـ جنيف.
19)إعلان وبرنامج فيينا (الجزء الأول, الفقرة 36).
([1]) راجع: اللجنة الأوروبية لحقوق الإنسان ودورها في تفسير وحماية الحقوق والحريات الأساسية للأفراد والجماعات, د/ خير الدين عبد اللطيف محمد, 45.
([2]) راجع : الوسيط في القانون الدولي العام, د/ أحمد أبو الوفا, 563.
([3]) راجع : المدخل إلى القانون الدولي العام,د/ محمد عزيز شكري: 173ـ 174.
([4]) يرى د/ محمد عزيز شكري أن مثل هذه الخصائص ليست المقياس الوحيد للإقرار بمركز قانوني للفرد على الصعيد الدولي.
راجع : المدخل إلى القانون الدولي العام وقت السلم, محمد عزيز شكري, 174.
(5) راجع فيما سبق : قانون المجتمع الدولي المعاصر، د/ عمر سعد الله، ود/ أحمد بن ناصر، 211 وما بعدها.
(6) نقلاً عن المصدر السابق نفسه، 213.
([7]) راجع: اللجنة الأوروبية لحقوق الإنسان ودورها في تفسير وحماية الحقوق والحريات الأساسية للأفراد والجماعات, د/ خير الدين عبد اللطيف محمد,47.
(6) راجع: د. احمد الحميدي، المحكمة الجنائية الدولية، رسالة دكتوراه، عام 2002م، ص298.
(9) انظر :
- C.F r.elman. the low of wors adocumentary History 1972 V.O.L g22.
([10]) راجع: اللجنة الأوروبية لحقوق الإنسان ودورها في تفسير وحماية الحقوق والحريات الأساسية للأفراد والجماعات, د/ خير الدين عبد اللطيف محمد,47.
([11]) راجع : الوسيط في القانون الدولي العام, د/ أحمد أبو الوفا, 565.
([12]) راجع : الوسيط في القانون الدولي العام, د/ أحمد أبو الوفا, 567.
([13]) راجع: تطور القانون الدولي, ولفغانغ فريد مان, 145.
([14]) راجع: اللجنة الأوروبية لحقوق الإنسان ودورها في تفسير وحماية الحقوق والحريات الأساسية للأفراد والجماعات, د/ خير الدين عبد اللطيف محمد, 48.
([15]) المصدر السابق نفسه.
([16]) راجع: د/ عاطف عطيات، الأمن الإنساني، مدخل جديد لحقوق الإنسان.
(17) نقول ذلك مستندين من التطورات المتسارعة التي شهدها القضاء الجنائي الدولي وبالذات إنشاء المحكمة الجنائية الدولية ومشروعيتها في ممارسة اختصاصاتها التي قد تطول زعماء، انظر في ذلك المحكمة الجنائية الدولية ـ الموائمات الدستورية والتشريعية (مشروع قانون نموذجي)، ص298.
(18) راجع نص المادة (22) من اتفاقية مكافحة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو الإنسانية أو المهينة، ديسمبر 1984م.
(19) راجع في هذا قرار المجلس الاقتصادي والاجتماعي لسنة 1970م وهو أقدم آليات للشكاوى في نظام الأمم المتحدة.
([20]) راجع: اللجنة الأوروبية لحقوق الإنسان ودورها في تفسير وحماية الحقوق والحريات الأساسية للأفراد والجماعات, د/ خير الدين عبد اللطيف محمد, 48.
([21]) راجع: قانون المجتمع الدولي المعاصر, د/ عمر سعد؛ ود/ أحمد بن ناصر, 219.
(22) على سبيل المثال ينص الدستور اليمني في المادة (4) الشعب مالك السلطة ومصدرها، ويمارسها بشكل مباشر عن طريق الاستفتاء والانتخابات العامة، كما يتداولها عن طريق الهيئات التشريعية والتنفيذية والقضائية، وعن طريق المجالس المحلية المنتخبة، على العكس من ذلك في الدساتير السابقة راجع: الدساتير الصادرة عام 1970م ، 1972م .
([23]) راجع على سبيل المثال: الدليل الإرشادي إلى المبادئ الأساسية لحقوق الإنسان في بالقانون اليمني والقانون الدولي, من إعداد د/ ياسين الشيباني ومراجعة د/ علي الشرفي.
([24]) راجع العدد الرابع من سلسلة التدريب المهني ( مؤسسات حقوق الإنسان الوطنية) الصادر عن مركز حقوق الإنسان ـ جنيف ـ17.
([25]) المصدر السابق نفسه، 17.
([26]) المصدر السابق نفسه، 25.
([27]) نوقشت مسألة مؤسسات حقوق الإنسان الوطنية للمرة الأولى في المجلس الاقتصادي والاجتماعي في عام 1946مـ أي قبل سنتين من إعلان الجمعية العامة للإعلان العالمي لحقوق الإنسان .
ثم قررت لجنة حقوق الإنسان تنظيم حلقة دراسية لتشكيل المؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان وتشغيلها, وبناءً عليه عقدت الحلقة الدراسية المعنية بالمؤسسات الوطنية والمحلية لتعزيز حقوق الإنسان في جنيف.
راجع العدد الرابع من سلسلة التدريب المهني ( مؤسسات حقوق الإنسان الوطنية) الصادر عن مركز حقوق الإنسان ـ جنيف ـ18.
([28]) راجع العدد الرابع من سلسلة التدريب المهني ( مؤسسات حقوق الإنسان الوطنية) الصادر عن مركز حقوق الإنسان ـ جنيف ـ 57.
([29]) راجع: إعلان وبرنامج فيينا (الجزء الأول , الفقرة 36).

الحماية القانونية للطفل أثناء النزاع المسلح

الحماية القانونية للطفل أثناء النزاع المسلح
أ.د. مـحمد سعيد الشعيبي
أستاذ القانون الدولي –جامعة تعز

مقدمة:
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الإنسانية ومعلم البشرية الخير مـحمد عليه أزكى الصلاة وأتم التسليم. وبعـــــد،,,
فإن من أشد المآسي الإنسانية ما تخلفه النزاعات المسلحة التي زاد بلاؤها بزيادة وتيرة التسلح وانتشار الأسلحة الفتاكة، وإذا كانت النزاعات المسلحة قدر البشرية الذي لا محيص منه فإن بوسع البشرية أنْ تخفف من تلك المآسي والآلام, وهذا ما سعى إليه المجتمع الدولي عبر بوابات أوسعها وثائق القانون الدولي الإنساني.
ولما كانت معاناة الأطفال أثناء النزاعات المسلحة أشد ضرراً وأكبر خطرا حظيت باهتمام كبير ترجمته الاتفاقيات والبروتوكولات الدولية وجهود المنظمات غير الرسمية.
أهمية الدراسة القانونية للموضوع ودواعي اختياره..
لم يعد الحديث عن خطر هذه النزاعات على الطفولة والبحث في جوانبها من نفل القول خصوصا وقد تفاقمت آثارها في زمن زادت فيه وتيرة التسلح بالسلاح الخفيف الذي خلف 90 % من الضحايا المدنيين منهم 80% من النساء والأطفال([1]), فكيف بأسلحة الدمار التي لا تبقي ولا تذر؟
والأطفال في وقت النزاعات هم الأكثر عرضة للأخطار والأضرار لأسباب منها:
- ضعفهم أمام مخاطر وويلات الحرب وإن كانت يسيرة.
- عدم قدرة عائلاتهم على حمايتهم لانشغالها بآثار الحرب.
- الأطفال أكثر عرضة للأمراض النفسية والصدمات التي تخلفها النزاعات المسلحة بسبب الخوف والهلع الذي لا تقوى أجسامهم وعقولهم على تحمله.
- يحتاج الأطفال إلى الرعاية والتربية والتعليم والمتابعة الصحية، وكلها أمور يفقدونها في أثناء الحرب([2]).
- الأطفال هم الأكثر عدداً من بين بقية الفئات العمرية، وهذا يعني أنهم الأكثر عرضة للأخطار.
وإذا كان من الصعب دفع كل تلك المخاطر بالكلية إلا أنه من الممكن التقليل منها من خلال سد مداخلها ومعالجة أسبابها، ولعل من أسباب بؤس الطفولة في أثناء النزاعات المسلحة مشاركتهم بطريق مباشر في النزاعات المسلحة عن طريق تجنيد الأطفال، وقد اتسع نطاق هذه الظاهرة وترتبت عليها الكثير من الأضرار.
وإزاء ذلك اتجه العالم لصياغة المبادئ والمواد التي تحظر تجنيد الأطفال، حيث تبنت عصبة الأمم عام 1924م،إعلان جنيف لحقوق الطفل, ثم جاءت بعد ذلك توصية اللجنة الاجتماعية للأمم المتحدة عام 1948بشأن وضع اتفاقية لحماية الأطفال، ثم تُرجم ذلك بواسطة اتفاقية 1949م([3])
ولم يكن مثل هذا الحظر بكاف لحماية الطفولة لأنه موجه لمنع التجنيد ابتداءً، وتبقى مشكلة الأطفال الذين تدفع بهم الأحداث إلى حواف الخطر الذي تنتجه النزاعات المسلحة, وهو ما لم تغفله الاتفاقية والبروتوكولين المضافين إليها آنفي الذكر حيث شملت التأكيد على ضرورة حماية الأطفال وتوفير العون اللازم لهم في أثناء النزاع المسلح.
هنا وقد انتظم البحث في مبحثين رئيسين خُصص الأول لدراسة التأطير القانوني لحقوق الطفل في أثناء النزاعات المسلحة ويشمل فرعين:
الأول يسلط الضوء على موقف الاتفاقيات والبروتوكولات الدولية من مسألة حظر تجنيد الأطفال, والفرع الثاني خصص لدراسة موضوع الحماية المقررة للأطفال وصور مساعدتهم في أثناء النزاعات المسلحة، في حين خصص المبحث الثاني لدراسة موضوع مدى فاعلية القواعد القانونية في توفير حماية الأطفال في أثناء النزاعات المسلحة وجاء في فرعين الفرع الأول: واقع الحماية المقررة للأطفال في أثناء النزاعات المسلحة والفرع الثاني: إمكانية تفعيل وتعزيز قواعد الحماية المقررة للأطفال في أثناء النزاعات المسلحة وخاتمة احتوت نتيجة حول فكرة البحث ودعمت بأهم التوصيات التي خرج بها البحث.
المبحث الأول
التأطير القانوني لحقوق الطفل في أثناء النزاعات المسلحة
لم يزل النزاع المسلح كارثة البشرية ومصدر شقائها وهو أيضاً داعية التخلف والعقبة الكؤود أمام ما ينشد الإنسان من رغد العيش وكريم الاستقرار.
وآثار هذا النزاع كثيرة، ومن أكثرها ألما وأعظمها خطراً تلك الأخطار التي يتعرض لها الأطفال الذين تغتال هذه النزاعات المسلحة براءتهم فيصبحون بين موت محقق و آلام ومصائب لا انتهاء لها.
مفهوم التأطير القانوني لحقوق الطفل:
المقصود بالتأطير القانوني لحقوق الطفل مجموعة الجهود النظرية والعملية التي يبذلها المجتمع الدولي بمنظماته وهيئاته، وتبذلها كذلك دوائر البحث في مجال القانون الدولي الإنساني للحد من المظالم والمآسي التي يتعرض لها أطفال العالم بسبب النزاعات المسلحة.
أما عن مفهوم الطفولة وفقاً للمفهوم الدولي فبالرغم من أن القانون الدولي الإنساني لم يشتمل على تعريف للطفل إلا أنه يمكن القول أنه وفقاً لاتفاقية حقوق الطفل للعام 1989 / ميلادية يعتبر طفلاً من لم يبلغ سن الثامنة عشرة سنة([4]), وفي المادة (38) من الاتفاقية ذاتها يعتبر طفلاً من لم يبلغ خمس عشرة سنة([5]).
ومنشأ هذا التناقض هو التفريق بين سن الطفولة في الحرب وسن الطفولة في السلم إذ اعتبرت هذه الاتفاقية أن سن الطفل في الحرب خمس عشرة سنة, ووفقاً لاتفاقيات جنيف الأربع للعام 1949 ميلادية يعتبر طفلاً من لم يبلغ الخامسة عشرة, وكذلك الاختلاف في حالة البلوغ التي تختلف تشريعات الدول في تحديدها, ولا يعتبر من كان دون الخامسة عشرة طفلاً لأن الاتفاقيات عندما تحدد هذا السن أو ذاك فإن ذلك يكون في سياق معين لا ينتفي معه وصف الطفولة لمن كان دون الخامسة عشرة أو الثامنة عشرة، ويمكن القول أن ما زاد عن الثامنة عشرة فليس من سن الطفولة بلا خلاف([6]).
ومهما يكن من أمر فالمستقر في المعتبر طفلاً في أثناء النزاع المسلح هو من لم يبلغ سن الخامسة عشرة يؤيد ذلك ما يلي:
- استقرار العرف الدولي الذي أكدته الممارسة الدولية على هذا التحديد.
- معظم الاتفاقيات والبروتوكولات والقرارات الدولية الخاصة بهذا الشأن أخذت بهذا التحديد.
- أن ذلك السن هو ما أخذت به المحكمة الجنائية الدولية([7]) كما سيرد بيانه.
الفرع الأول: حظر تجنيد الأطفال
تزامن قيام النزاعات المسلحة مع الحاجة للسلاح أولاً ولمن يحمل السلاح ثانياً، وهو ما أدى ببعض المجتمعات لتجنيد الأطفال القادرين على حمل السلاح والدفع بهم إلى سعير النزاعات المسلحة المتقدة، ساعد على ذلك الظروف المعيشية السيئة لتلك المجتمعات وعدم وجود نظام رادع يمنع تجنيد الأطفال، كما ساعد على ذلك توازي الحاجة لحمل السلاح مع كبر حجم شريحة الأطفال خصوصاً في سن الفتوة مع صغر بقية الفئات العمرية([8]).
ومن الأسباب التي تدفع بالأطفال إلى الانخراط في الجندية عدم نضج أفكارهم وقصور مداركهم وسوء تقديراتهم لحجم المخاطر التي تسببها النزاعات المسلحة([9]).
وحيال ذلك توجهت الأمم المتحدة عبر المفوضية السامية لشؤون اللاجئين واليونيسيف والمفوضية السامية لحقوق الإنسان لصياغة وإخراج اتفاقية دولية تحظر تجنيد الأطفال ([10]), حيث نصت المادة الثامنة والثلاثون من الاتفاقية المعروفة باتفاقية الأمم المتحدة لحقوق الطفل على جملة من المبادئ والأسس ذات العلاقة بمشكلة تجنيد الأطفال يمكن إجمالها في ما يلي:
- التأكيد على التزام الدول باحترام قواعد القانون الدولي الإنساني ذات الصلة بوضع الأطفال في أثناء النزاعات المسلحة.
ويعتبر هذا التأكيد البوابة الرئيسة لإلزام الدول الأطراف بكل بند يتعلق بحقوق الطفل عند نشوب النزاع المسلح.
- اتجهت الاتفاقية لحظر تجنيد الأطفال الذين لم يبلغوا سن الخامسة عشرة.
- دعت الاتفاقية الدول الأطراف لاتخاذ التدابير العملية الكفيلة بتنفيذ النصوص التي تحظر تجنيد الأطفال دون سن الخامسة عشرة، وفي ذلك إشارة إلى دور الدول في ضمان تنفيذ هذه الاتفاقية وعدم الالتفاف على مقرراتها وحريتها في اختيار الوسائل والأساليب المناسبة للتطبيق.
- أوغلت الاتفاقية في جانب المنع حيث نصت على أنه في حالة قيام الدول بتجنيد من بلغ الخامسة عشرة ودون الثامنة عشرة فإن عليها في مثل هذه الحالة إعطاء الأولوية للأكبر سناً للالتحاق بالقوات المسلحة الرسمية([11]).
وتجدر الإشارة إلى أن البروتوكول الثاني الإضافي لعام 1977م أقوى في تأكيد الحظر من إضافة الاتفاقية المذكورة، حيث جاء بصيغ آكد في دلالتها على المنع فقد نصت المادة (4) الفقرة (ج) على أنه لا يجوز تجنيد الأطفال دون الخامسة عشرة....، والتعبير بعدم الجواز أقوى في الدلالة صريح في المنع.
ويمكن القول إن الاتفاقية والبروتوكولين المذكورين مثلا حراكاً دولياً وتوجهاً جاداً لحماية حقوق الطفل عند النزاعات المسلحة، أثمر ذلك رفع الحد الأدنى لسن التجنيد إلى ثماني عشرة سنة، وهو السن الأنسب للقدرة على حمل السلاح ومواجهة أخطار النزاعات المسلحة، هذا ما ترجمه البروتوكول الاختياري في مواده الأولى والثانية والثالثة والرابعة، وكلها تؤكد وجوب التزام الدول بمنع اشتراك أفراد قواتها المسلحة الذين لم يبلغوا الثامنة عشرة في النزاعات المسلحة([12]), وقبل ذلك عدم إخضاعهم للتجنيد الإجباري, ولم يغفل هذا البروتوكول معالجة ظاهرة التجنيد التطوعي باعتباره سلوكاً درجت عليه بعض الدول, وهو ما دعى إلى ضرورة الإشارة إلى مثل هذه الحالة ووضع الضمانات اللازمة لسلامة تعامل الدول مع وضعية التجنيد التطوعي، وضمانات ذلك يمكن إجمالها في النقاط التالية:
- أن يكون هذا التجنيد تطوعاً حقيقياً لا تؤثر فيه قوى الإكراه التي قد تمارسها سلطات الدولة أو تفرضها ظروف الفقر والعوز.
- أن يتم هذا التطوع بموافقة الآباء أو الأوصياء القانونيين للمتطوعين، وهذه الضمانة لتلافي قصور المتطوعين عن اتخاذ القرار الصحيح الذي لا يتعارض مع حقوقهم ومصالحهم.
- أن يحصل المتطوعون على المعلومات الكاملة عن واجبات وأعباء الجندية.
- التأكد من سن المتطوع عبر الوثائق الصحيحة([13]).
وهذه الضمانة لا يمكن الاعتماد عليها إلا في دائرة ضيقة خصوصاً في الدول البدائية التي ليس فيها من الوسائل ما يطمئن على صحة هذه الوثائق إن وجدت.
ويمكن القول إن كل تلك الضمانات إجمالاً تشكل سياجاً لضمان عدم الزج بالأطفال في سلك الخدمة العسكرية تحت مسمى التطوع باتخاذ أي وسيلة للتحايل على ما تقرره الاتفاقيات والبروتوكولات الدولية الرامية لمنع تجنيد الأطفال دون السن القانونية المحددة.
وقد تصادف تشريعات وطنية تشتمل على نصوص أكثر حماية وأقوى في الدلالة وفي هذه الحالة ليس للدول الأطراف مخالفة نصوص هذا البروتوكول وغيره من الاتفاقيات, غير أنه في حالة وجود ضمانات أقوى ونصوص أوضح ومصلحة الطفل فيها ظاهرة فإنها سارية العمل من غير تعارض، وهذا ما نصت عليه المادة (5) من البروتوكول([14]).
ومن الخطوات المهمة والحيوية التي تخدم حقوق الأطفال عند النزاعات المسلحة وتضيف قدراً كبيراً من الحماية لهم ما صدر عن المحكمة الجنائية الدولية حيث أدرجت في قائمة جرائم الحرب الداخلة في اختصاصات المحكمة كما جاء في نظامها الأساسي...إشراك الأطفال دون سن الخامسة عشرة بصورة فعلية في العمليات العدائية أو القيام بتجنيدهم في القوات المسلحة الوطنية عند نشوب نزاع مسلح دولي، وفي الجماعات المسلحة الوطنية الأخرى عند نشوب نزاع مسلح غير دولي([15]).
ولعل هذه الخطوة التي أقدمت عليها المحكمة الجنائية الدولية أقوى أثراً وأبلغ في الإلزام خصوصا مع ما لها من القوة في ممارسة اختصاصها على المستوى الدولي.
تلك إذا هي مجمل النصوص القانونية التي ألزمت الدول باتخاذ ما يلزم من التدابير من أجل منع تجنيد الأطفال من هم دون سن الخامسة عشرة سواء تلك الواردة في اتفاقيات حقوق الطفل أم ما احتوته أهم وثائق القانون الدولي الإنساني.
على أن مجمل تلك الوثائق قد أوجبت على الدول اتخاذ التدابير التي من شأنها مساعدة وحماية الأطفال ضحايا النزاعات المسلحة.
ومع كل تلك الجهود إلا أن الصياغة القانونية في هذا الصدد بحاجة إلى مزيد من التطوير ومزيد من الوضوح ربما يبدأ من الاتفاق على أن يكون الحد الأدنى لسن المشاركين في العمليات العسكرية بصورة مباشرة أو غير مباشرة هو سن الثامنة عشرة.
الفرع الثاني: حماية ومساعدة الأطفال في أثناء النزاعات المسلحة
سبقت الإشارة في الفرع الأول إلى مساعي المجتمع الدولي من الناحية القانونية إلى حظر تجنيد الأطفال واعتباره من الجرائم التي يجنيها الإنسان على بني جنسه, وإذا كان ذلك التوجه جزءاً من معالجة المعضلة إلا أن المعالجة الوافية لا تكتمل إلا بضرورة الالتزام بحماية ومساعدة الأطفال الذين يقعون ضحايا للحروب في أثنائها وبعدها, وهذا ما يتناوله البحث في هذا الفرع.
إن مما لا شك فيه أن توفير الحماية للطفل عند النزاعات المسلحة لا يحصر في زاوية حظر تجنيد الطفل دون سن معينة، فالواقع شاهد بمآسي الطفولة التي تخلفها النزاعات المسلحة والنزاعات الدولية في العالم، وهي بالجملة مخاطر لا تتحملها الطفولة, وتهدد الإنسانية بمزيد من الآلام والمصائب.
وفي مثل ذلك الحال لابد من اتخاذ خطوات عملية تهدف لحماية الأطفال على الصعيد الدولي، وفي هذا السياق ظهرت جهود اللجنة الدولية للصليب الأحمر متمثلة باعتماد مجلس المندوبين عام 1993/ م القرار رقم (4) ومن ضمن ما ورد فيه:
- ضرورة اتخاذ تدابير ملموسة لحماية ضحايا النزاعات المسلحة من الأطفال
- إدانة القتل المتعمد للأطفال.
- إدانة الاستغلال الجنسي وأعمال العنف والمعاملة السيئة للأطفال.
- اتخاذ تدابير صارمة لمنع تلك التصرفات والمعاقبة عليها إذا وقعت.
ومن الجهود الدولية في هذا الصدد ما تضمنته المادة (77) من البروتوكول الإضافي الأول من اتفاقية جنيف حيث تضمنت ما يلي:
- وجوب حماية الأطفال من أي صورة من صور خدش الحياء ووضعهم في موضع احترام خاص تكفل لهم معه الحماية عند النزاع من أطرافه كما يقدم لهم العون اللازم.
- إذا زجت بهم ظروف الحرب إلى الاعتقال يجب وضعهم في أماكن منفصلة عن تلك المخصصة للبالغين([16]).
ومن صور الحماية عدم جواز تنفيذ حكم الإعدام لجريمة تتعلق بالنزاع المسلح على الأشخاص الذين لم يبلغوا بعد الثامنة عشرة من العمر وقت ارتكاب الجريمة، سواء كان الطفل أسير حرب أم محتجزاً مدنياً، وسواء كان النزاع دولياً أم غير دولي([17]).
ويصب في نفس الاتجاه البروتوكول الإضافي الثاني لنفس الاتفاقية في المادة (4) الفقرة (3) حيث جاء فيه:
- وجوب توفير الرعاية والمعونة للأطفال بقدر ما يحتاجون إليه وبصفة خاصة :
‌أ- يجب أن يتلقى هؤلاء التعليم، بما في ذلك التربية الدينية والخلقية؛ تحقيقاً لرغبات آبائهم أو أولياء أمورهم في حالة عدم وجود آباء.
‌ب- تتخذ جميع الخطوات المناسبة لتسهيل جمع شمل الأسر التي تشتتت.
ومما جاء في هذا البروتوكول مما يخص بند الحماية :
- تكفل الحماية للأطفال بكل صورها وإن اشتركوا في أعمال حربية.
- تتخذ إذا اقتضى الأمر الإجراءات لإجلاء الأطفال وقتياً عن المنطقة التي تدور فيها الأعمال الحربية إلى مناطق آمنة على أن يصاحبهم أشخاص مسؤلون عن سلامتهم وراحتهم، وذلك بموافقة الوالدين كلما كان ذلك ممكنا.
ومن صور الحماية أن الأطفال الذين يقعون في الأسر لا يمكن مقاضاتهم بسبب اشتراكهم في الأعمال العدائية كما أن الأطفال المحتجزين المدنيين لهم حق التمتع بالحماية والرعاية([18]).
يتضح من تلك الإيرادات القانونية أن هناك نوعين من الحماية المقررة للأطفال:
النوع الأول : حق الحماية الخاصة.
المقصود بهذا النوع من الحماية تلك الجهود الموجهة لحماية ومساعدة ورعاية فئة خاصة عند النزاعات المسلحة وهي فئة الأطفال, وهذا النوع من الحماية هو ما تضمنته اتفاقية جنيف والبروتوكول الإضافي الأول كما سبقت الإشارة إليه.
كما نص على هذا النوع من الحماية البروتوكول الإضافي الثاني, وبالجملة يمكن تحديد صور هذه الحماية في ما يلي :
- الإجلاء إلى مناطق خاصة([19]).
والهدف من هذا الإجراء نقل الأطفال إلى أماكن أكثر أمناً داخل البلد على أن يصحبهم من يقوم على سلامتهم وراحتهم بموافقة أولياء أمورهم وفقاً للقانون والعرف ([20])، وقد يكون الإجلاء إلى خارج الدولة بصفة مؤقتة إذا اقتضى الحال لأسباب تتعلق بصحة الطفل وما أشبه ذلك.
- تقديم المساعدات وبذل العناية اللازمة([21]).
- تحديد الهوية وجمع شمل العائلات والأطفال غير المصحوبين بذويهم([22]).
- الاهتمام بالتعليم وتهيئة البيئة الثقافية الملائمة ([23]).

- ما يتعلق بمراعاة أحوال الأطفال الموقوفين أو المعتقلين والمحتجزين([24]).
- الإعفاء من عقوبة الإعدام وفق شروط معينة ([25]).
- كما تعد مسألة تسريح الأطفال الجنود وإعادة دمجهم في المجتمع من أهم صور الحماية اللازمة للأطفال ضحايا التجنيد والنزاعات المسلحة, وهذا ما اعتنت به الحركة الدولية للصليب الأحمر والهلال الأحمر والجمعيات الوطنية التابعة لها، وغيرها من المنظمات الإنسانية، ومن الصور العملية لترجمة هذه الجهود ما قامت به جمعية الصليب الأحمر الوطنية بسيراليون بدعم من اللجنة الدولية للصليب الأحمر والهلال الأحمر حيث أعدت برنامجا لمؤازرة الأطفال وإعادة تأهيلهم ودمجهم في مجتمعاتهم([26]).
ويمكن الإشارة هنا إلى أن المنظمات غير الحكومية تلعب دوراً مهماً وبارزاً في دعم كل التوجهات الرامية إلى توفير الحماية المقررة للأطفال في السلم والحرب، وفي هذا الصدد تقدمت منظمة "وتشليست" بمشروع يعتبر مبادرة مهمة شدد على ضرورة المراقبة لأحوال الأطفال في النزاعات المسلحة مع التذكير بعواقب انتشار واستعمال الأسلحة،كما طالبت المنظمة في بيان منفصل عن وضع الأطفال في النزاعات المسلحة مجلس الأمن أن يقوم بإجراءات احترازية لمنع اندلاع النزاعات المسلحة مثل انضمام مختصين بحقوق الطفل إلى دوائر العلاقات السياسية وقوى حفظ السلام وبوضع آليات واضحة لاستلام المعلومات([27]).
يتبين من خلال هذا التعداد المختصر ما تحتويه تلك النصوص من قوة قانونية موجهة لحماية هذه الفئة في ظروف الحرب والنزاع المسلح فضلاً عن صنوف الحماية العامة التي تندرج فيها هذه الفئة بصورة غير مباشرة وهو ما يعرف بالحماية العامة لتي سنشير إليها في الفقرة التالية.
النوع الثاني : حق الحماية العامة
عند نشوب نزاع مسلح دولي, يتمتع الأطفال الذين لا يشاركون في العمليات العدائية بالحماية بموجب اتفاقية جنيف الرابعة المتعلقة بحماية الأشخاص المدنيين والبروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف. وتطبق عليهم بالتالي الضمانات الأساسية الممنوحة لهؤلاء الأشخاص لاسيما:
- حق احترام الحياة والسلامة البدنية والمعنوية وحظر الإكراه والعقوبات البدنية والتعذيب والعقوبات الجماعية والأعمال الانتقامية([28]).
- وجوب التمييز بين المدنيين والمقاتلين وحظر شن هجمات على المدنيين ([29]).
وعند نشوب نزاع مسلح غير دولي, يحق للأطفال أيضاً أن يتمتعوا بالضمانات الأساسية الممنوحة للأشخاص الذين لا يشاركون مباشرة في الأعمال العدائية ([30]). ويطبق عليهم أيضاً المبدأ الذي ينص على أنه "لا يجوز أن يكون السكان المدنيون ولا الأشخاص المدنيون عرضة لأي هجوم ([31]).
المبحث الثاني
مدى فاعلية القواعد القانونية في توفير حماية الأطفال في أثناء النزاعات المسلحة
سبقت الإشارة إلى الحراك النظري للقانون الدولي الإنساني الهادف إلى توفير الحماية للأطفال عند نشوب النزاعات المسلحة على المستوى الدولي أو الإقليمي، ولا شك أن هذه الجهود جاءت من واقع المعاناة البشرية وأحوال وظروف فئة الأطفال الذين يزج بهم في أتون هذه النزاعات من غير إرادة منهم أو اختيار أو تقدير.
غير أن النص لا يخلو من مؤثرات عند صياغته، ومؤثرات عند محاولة تنفيذ مقرراته, وهنا تأتي أهمية الإشارة إلى واقع الحماية المقررة للأطفال عند النزاعات المسلحة, وإمكانية تفعيل هذه الحماية والاستفادة من النص القانوني بتطبيقه، وإلى هذين المحورين ترد الإشارة في الفرعين التاليين:
الفرع الأول : واقع الحماية المقررة للأطفال في أثناء النزاعات المسلحة.
لا شك أن الناظر إلى تلك النصوص التي جاءت بها الاتفاقيات والبروتوكولات وسائر وثائق القانون الدولي الإنساني مثلت أساساً متيناً لما يجب أن يكون عليه الحال من الحماية اللازمة للأطفال عند النزاعات المسلحة، لكن الواقع لا يعبر عن تلك الغاية النبيلة والهدف السامي الذي يهدف إليه القانون الدولي الإنساني، يدل على ذلك بجلاء نسب الضحايا في صفوف المدنيين حيث تقدر بأكثر من 90% نصفهم من الأطفال، وتشير الإحصائيات إلى أن 20 مليون طفل تقريباً فروا من مساكنهم بسبب النزاعات المسلحة ليعيشوا في دائرة المجهول لاجئين، أما القتلى من الأطفال فتقدر أعدادهم بأكثر من مليون طفل لقوا حتفهم بسبب النزاع المسلح خلال سنة واحدة, إلى ذلك قدرت أعداد المصابين بالإعاقات والعاهات والإصابات الخطيرة بما يزيد على الستة ملايين طفل منهم مليون طفل معوق ومصاب انفصلوا عن ذويهم، ويتعرض ما بين 8_ 10 ألف طفل كل عام للقتل أو بتر الأعضاء بسبب الألغام الأرضية.
وللمنازعات المسلحة آثار غير مباشرة على الأطفال، فالنزاعات المسلحة تقلل إلى حد كبير من النمو الطبيعي السوي، بسبب إغلاق المدارس والمستشفيات وإتلاف المحاصيل وتدمير الطرق والبنى التحتية للدول وانعدام الأمن والاطمئنان([32]), وهذه الصور تتكرر بغير انقطاع رغم الجهود الدولية للتخفيف من كل تلك المآسي.
هذه الأرقام في ما يخص ضحايا النزاع المسلح، أما عن المجندين من الأطفال فتشير الإحصائيات إلى أن ثلاثمئة ألف طفل شارك في أكثر من نزاع مسلح ([33]).
ويستخدم الأطفال المجندون في أعمال حربية مباشرة كما يستخدمون كمراسلين وحمالين وطباخين.
ومعلوم أن معظم هؤلاء الأطفال التحقوا بالجندية تحت وطأة الظروف القاسية فضلاً عن الذين أجبروا على التجنيد.
ويعظم الخطب وتزداد المأساة عندما يكون المجندون من الفتيات حيث جندت فتيات لا تزيد أعمارهن عن 12سنة تعرض الكثير منهن للاغتصاب والمثال القائم لتلك المأساة ما حدث في يوغسلافيا السابقة.
وتشير الإحصائيات إلى أن أكثر من 20 ألف أنثى سقطن ضحايا الاعتداءات الجنسية, ومن بين عشرة بلدان سجلت أعلى معدلات الوفيات دون سن الخامسة عشرة كان سبعة منها بسبب النزاعات المسلحة.
ولا يفوت في هذا السياق التذكير بما يعانيه الأطفال بطريق غير مباشر من مآسي فقد الآباء والأقارب والانفصال عن الأسر ومشاهدة أقاربهم وهم يُقتلون ويعذبون، والنزوح من الديار والتعرض لأعمال القتل وإساءة المعاملة والاعتقال والاحتجاز والاغتصاب والتعذيب والاختطاف إضافة إلى حرمانهم من التعليم([34]).
وتقدم لنا حالة النزاعات المسلحة في كل من دارفور والعراق نماذج واقعية لمعانات الأطفال سواء في أثناء الحرب أو نتيجة لها، وفي تقرير حول أطفال العراق بعد ثلاث سنوات من الحرب([35]) يروي حقائق مفزعة حول المصير المأساوي لـ 44% من سكان العراق بموت أربعة ملايين طفل ممن سنهم أقل من خمس سنوات "واحد من بين كل ثمانية كأعلى نسبة بالعالم" كما قتل نصف مليون طفل من هؤلاء في حرب إسقاط النظام بما في ذلك الحصار، وبحسب دراسة أجرتها مؤسسة العلوم التطبيقية في النزاع بالاشتراك مع المكتب المركزي للإحصاء العراقي وبرنامج التنمية التابع للأمم المتحدة هناك 400 ألف طفل عراقي يعانون من سوء التغذية في ظل الاحتلال ناهيك عن ارتفاع نسبة ولادة الأطفال المشوهين من تأثير استخدام 300 طن من اليورانيوم المخصب والتي أدت إلى ارتفاع نسبة المصابين بالسرطان في العراق كانت نسبة الأطفال منهم 56% وتتضاعف حجم المأساة عند ملاحظة انتشار وتنامي تصدير الجنس لبعض الدول والتي غالباً ما يكون ضحيتها الأطفال([36]).
أما في دارفور مرفقاً لتقرير بعنوان ((دارفور الأطفال في خطر)) فثلاثة ملايين طفل من سكان هذا الإقليم يئنون تحت وطأة النزاع المسلح ويقيم حوالي مليون وسبعمئة وخمسين ألف من هؤلاء الأطفال في مخيمات بينما يعيش مليون ومئتان وخمسون ألف طفل آخرون في مناطق لم يتسنَّ الوصول إليها وهي مناطق تكاد تنعدم فيها الخدمات تماماً ناهيك عن حوادث القتل والاغتصاب وغيرها من المآسي التي يتعرض لها الأطفال في هذا الإقليم([37]).
ومن البلقان مشاهد رآها العالم لأطفال يرحلون جماعات من غير زاد تحمل بعضهم الجرارات وبعضهم يسيرون على أقدامهم الحال الذي دفع اللجنة الدولية للصليب الأحمر إلى زيادة طاقته التشغيلية ومضاعفة جهده لتخفيف المأساة غير أن حجم الكارثة كان بحاجة لإجماع دولي عادل ومنصف وغير منحاز([38]).
ويمكن القول إن الجهود النظرية لهذه الحماية قد نجد لها مسوغاً لتبرير هذا الواقع المؤلم وهو أن ضمان التطبيق العملي لهذه الاتفاقيات والبروتوكولات يقع على عواتق الدول الأطراف التي يجب عليها اتخاذ كافة التدابير والوسائل الكفيلة بتوفير الحماية اللازمة للأطفال في أثناء النزاعات المسلحة، غير أن ذلك يجب أن يصحب بمبادرات ومساعي دولية لتخفيف تلك المعاناة التي أشرنا إلى طرف منها.
ويرى بعض الباحثين أن الإعلانات الحالية قليلة الفائدة لافتقارها للقوة التنفيذية، وأنه يجب وضع اتفاقية في هذا الشأن, وفي ندوة المنظمات غير الحكومية التي انعقدت في روما عام 1948م لرعاية الطفولة قدمت مقترحات لإجبار الدول على تنفيذ الاتفاقيات الدولية الخاصة بحماية الطفولة([39]).
ولعل القول بضرورة تفعيل الجانب العقابي وتحديد جزاءات دولية صارمة تكون محل اتفاق بين الدول لردع كل من ينتهك الاتفاقيات الدولية يشكل جزءًا من الحل المنشود([40]).
والواقع أنه مهما اتفقت الدول على صيغة قوية لتفعيل التنفيذ إلا أن المشكلة تبقى بسبب الهيمنة على منظمات المجتمع الدولي كما سترد الإشارة إلى ذلك.
الفرع الثاني : إمكانية تفعيل وتعزيز قواعد الحماية المقررة للأطفال في أثناء النزاعات المسلحة.
إن كل القوانين والقواعد والمبادئ المقررة لحماية الأطفال في أثناء النزاع المسلح لم تؤت ثمارها كما يجب إلى اليوم([41]), لوجود كثير من العوائق, غير أن المجال مفتوح لضمان تنفيذ محتويات الاتفاقيات المتعلقة بحماية حقوق الأطفال في أثناء النزاعات المسلحة للعمل على تعزيز الجانب التطبيقي لهذه القواعد, ويمكن ذلك من خلال الجهات ذات العلاقة وعلى رأسها اللجنة الدولية للصليب الأحمر ما يلي:
- دعوة الدول التي لم تنضم إلى الاتفاقيات ذات العلاقة بحقوق الأطفال في أثناء النزاعات المسلحة إلى المسارعة بالانضمام في سلك الدول الموقعة على هذه الاتفاقيات.
- العمل على تنسيق الجهود لتوحيد التشريعات المتعلقة لتحديد سن الطفل ونظم التجنيد التطوعي وضمانات عدم التحايل على القانون الدولي الإنساني في هذا الباب.
- تطوير الصياغة القانونية خصوصاً في المواد المجملة التي تحتمل تأويلات قد تخرج بها عن هدفها.
- توسيع مساحة التعريف بالقانون الدولي الإنساني عبر المؤسسات الثقافية المختلفة وتشجيع البحث العلمي المزود بالإحصاءات والدراسات الميدانية, فالملاحظ اليوم ضعف هذا الجانب الذي لا يوازي أهمية القانون الدولي الإنساني وحاجة البشرية لتفعيله.
- مطالبة الهيئات الدولية بتوحيد معايير التعامل في مسألة حقوق الطفل في أثناء النزاع المسلح وعدم ازدواجية العمل في تناول كافة الموضوعات الإنسانية, ولعل هذه الازدواجية من أكبر العوائق والعقبات أمام تطبيق القوانين المنظمة لأحوال الأطفال في أثناء النزاعات المسلحة, ولا محل لمثل هذه الازدواجية إلا في الجانب العملي, أما الجانب النظري ففيه جهود لا باس بها, من أمثلة ذلك موقف الأمم المتحدة حيث أعربت الجمعية العامة للأمم المتحدة عن عميق قلقها للآلام التي يعانيها النساء والأطفال من المدنيين في بقاع شتى من العالم خصوصاً في المناطق المعرضة للقمع والعدوان والاستعمار والعنصرية والسيطرة والتسلط الأجنبيين([42]).
لقد أدرك العقلاء مكمن الداء الذي أضر بالجهود الدولية الرامية لتحقيق السلم وصيانة الحقوق المدنية, قال السيد "نيلز تيدن" رئيس اللجنة السويدية للمنظمات: (إن الإعلانات الراهنة لا تلقى إلا النسيان أو الإهمال,.......... إلى أن قال: لا بد من تقوية الأمم المتحدة وصكوك القانون الدولي)([43]).
وبما أن اللجنة الدولية للصليب الأحمر هي الجهة المناط بهـا الإشراف على اتفاقيـات القانون الدولي الإنسـاني فـهي مدعوة إلى دعم أنشطة الجمعيات الوطنية بكل الإمكانيات والوسائل والآليات المتاحة التي من شأنها:
‌أ- نشر وتعزيز المعايير القانونية والدولية التي تحظر التجنيد العسكري للأطفال دون سن الثامنة عشرة وحظر استخدامهم في الأعمال العسكرية. إن ذلك يتطلب من اللجنة الدولية للصليب الأحمر إمداد الهيئات والمؤسسات الوطنية بالوثائق القانونية التي تحظر التجنيد للأطفال دون سن الثامنة عشرة وذلك من خلال القيام بأنشطة توعوية بهذا الخصوص زيادة على ممارسة الضغوط على ممثلي الحكومات فوق المشاركة في الجهود الدولية الوطنية لزيادة الوعي العام بقضية الأطفال الجنود والمهمة نفسها مناطه بالمؤسسات الوطنية التي عليها مخاطبة الحكومات وتعريفها بما احتوته المواثيق الدولية وبرأي اللجنة الدولية للصليب الأحمر بشأن الأخذ للثامنة عشرة كحد أدنى للسن، بالإضافة إلى توعية الرأي العام بالحاجة الملحة إلى اعتماد سن الثامنة عشرة وإقناع الحكومات بذلك.
وفي كل الأحوال يتحتم على اللجنة الدولية للصليب الأحمر جمع المعلومات عن الأنشطة والبرامج التي تقوم بها الجمعيات الوطنية وتحليلها ومعالجتها من جل كتابة التقارير للمنظمات الدولية الوطنية والرأي العام الوطني والدولي.
‌ب- منع الأطفال من الانضمام إلى القوات والمجموعات المسلحة وذلك بتوفير بدائل عن التجنيد. وسيكون من الممكن منع هؤلاء الأطفال إذا ما تم اتخاذ تدابير موجهة للأطفال أنفسهم بتوفير البدائل التي تحول دون الانتهاء إلى الجماعات المسلحة والجيوش النظامية فالتعليم والتدريب المهني والقيام بمهام مفيدة داخل المجتمع المحلي كلها من المشاكل الرئيسة في سبيل تحقيق تلك الغاية وستلعب الهيئات والمؤسسات الوطنية دوراً مهماً بهذا الخصوص إذا ما شجعت ودعمت اللجنة الدولية للصليب الأحمر مثل هذه البرامج بإقامة ورش تدريبية وإمدادهم بالخبرات والخبراء والوثائق والإحصائيات عن عمل هذه المنظمات كي يتم تقدير الاحتياج الحقيقي وإبلاغ المانحين والمنظمات الدولية الوطنية للمساهمة بإيجابية هذه البرامج.
‌ج- تنمية وعي المجتمع بالحاجة إلى الحيلولة دون انضمام الأطفال إلى المجموعات المسلحة. بلا شك أن الأطفال المشتركين في العمليات الحربية هم ضحايا مجتمع قبل وشجع بإقحامهم في النزاع وبالتالي يتعين على كل البالغين بالذات الآباء والأمهات خصوصاً والقيادات المحلية ومنظمات المجتمع المدني الوقوف بحزم للحيلولة دون انضمام الأطفال للقوات المسلحة ولعل ذلك سيكون ممكناً إذا ما تم استخدام كل وسائل التأثير المقروءة والمسموعة بما في ذلك استخدام المدارس والمساجد والمنتديات وإثارة النقاشات حول الآثار السلبية لاشتراك الأطفال في العمليات المسلحة. كما أنه يتحتم على اللجنة الدولية للصليب الأحمر اللقاء مع قادة الجيوش والمجموعات المسلحة ما أمكن ذلك ومواصلة الحوار مع الحكومات والجمعيات الأهلية بهدف حثهم على اتخاذ التدابير الكفيلة للحيلولة دون انضمام الأطفال للقوات والمجموعات المسلحة.
‌د- توفير الاحتياجات النفسية والبدنية للأطفال الذين يعيشون مع أسرهم أو الذين يبتعدون عن أسرهم. عند اندلاع النزاعات المسلحة التي يكون أول ضحاياها من الأطفال بسبب عدم تلبية احتياجاتهم الأساسية حينئذ من هنا لا بد من الوفاء بالاحتياجات الفورية المتصلة بالأمن البدني والاقتصادي ثم النظام والاستقرار،، الأمر الذي يتطلب تقديم المساعدة في الإغاثة وتوفير البيئة التحتية لتحقيق النظام كمسألة رئيسة خلال الفوضى التي تصحب النزاع المسلح، ومعلوم أن إمكانية تحقيق ذلك ستكون عسيرةً مالم يتم من خلال الأسرة عموماً في حالة الأطفال الذين يعيشون مع أسرهم زيادة على ما يجب القيام به من إعادة تأهيل بدني ونفسي في مخيمات اللاجئين والنازحين بسبب النزاع. والواقع أن اللجنة الدولية للصليب الأحمر وكذلك الهيئات الوطنية منذ مطلع التسعينيات قد اهتمت بهذا الجانب حيث أنشئت سنة 1991م برنامج للدعم النفسي كفرع تابع للإتحاد الدولي ومقرة في الصليب الأحمر الدنماركي وفي كل الأحوال لابد من أن تتسم هذه البرامج بالمرونة والتكيف مع الظروف المحلية والأخذ بعين الاعتبار الخصوصيات الوطنية والثقافية والتاريخية للشعوب زيادة على طبيعة النزاعات نفسها والخبرة التي ينبغي أن تتوفر على القائمين على هذه البرامج.
‌ه- تنشيط عمل المنظمات الإنسانية غير الحكومية لمساندة العمل الدولي لتحقيق أكبر قدر ممكن من العدالة والعمل الإنساني المنشود.
‌و- العمل على إنشاء برامج تهدف إلى تجميع الأطفال في الدول التي تتكرر الحاجة فيها إلى تجنيد هم وشغل أوقاتهم بواجبات إنسانية تتناسب مع أعمارهم كأعمال الإسعافات الأولية والمشاركة في الأنشطة الإغاثية والمشاركة في الجمعيات الوطنية العاملة في المجال الإنساني وورش التدريب والتأهيل وغير ذلك من المناشط التي تترك أثرً إيجابياً يستفيد منه الأطفال ويعتبر جزءاً من الحل المنشود لحماية الطفولة وإحاطتها بأجواء الأمان.
‌ز- الدفاع عن قضية الأطفال الذين اشتركوا في النزاعات المسلحة. في أحيان كثيرة لا تجرؤ الأسر على استقبال أبنائها الذين يشتركون في النزاعات المسلحة إما للخوف عليهم من الانتقام أو لنبذهم من قبل المجتمع بسبب عدوانيتهم وشراستهم ومن أجل جعل المجتمع المحلي يقبل بهم لابد من الاعتراف بهم كجنود رسميين سابقين وتسوية وضعهم على هذا النحو كي لا يتحولوا أيضا إلى خطر على مجتمعاتهم خصوصاً إذا ظلت الأسلحة بحوزتهم. لذا تعد من الأمور الأساسية تشجيع المجتمعات المحلية عبر رفع الوعي داخل الجمعيات لتشجيعهم على النظر لهؤلاء الأطفال كضحايا والقبول بعودتهم مرة أخرى للمساهمة في بناء المجتمع.
الخاتمة والتوصيات:
نبعت أهمية البحث في موضوع حماية الأطفال في أثناء النزاعات المسلحة من الواقع الملموس والمشاهدات الأليمة التي أضحى العالم يستيقظ على هزاتها, وليست مآسي النزاعات المسلحة مقصورة على فئة الأطفال فحسب إلا أنهم الأكثر فجيعة وإثارة للحزن من سائر الفئات، وذلك لأسباب ذكر البحث أهمها كضعف بنيتهم الجسمية والعقلية والنفسية وحاجتهم الكبيرة للرعاية والاهتمام وتوقف مسيرتهم في الحياة على لم شمل أسرهم، وعليهم تعلق آمال الشعوب لرفد مستقبلها وحيوية حاضرها.
فبالرغم من التقدم الذي تحقق على مدى العقد الماضي في الحملة العالمية الرامية إلى وضع حد لتجنيد واستخدام الأطفال كجنود فمازال عدد كبير من الأطفال يستخدمون في النزاعات المسلحة ويوضعون على الخطوط الأمامية، ولتحقيق الغاية من تلك الجهود الدولية ينبغي أن تقوم الجهات ذات العلاقة وعلى رأسها اللجنة الدولية للصليب الأحمر:-
- الرصد الدقيق والمتواصل لإلزام الدول بأحكام البروتوكول الاختياري وتقديم تقارير عن ذلك.
- دعم أنشطة الجمعيات الوطنية بكل الإمكانيات والوسائل والآليات المتاحة لتقوم بدورها بالتأثير على الدول والجماعات المسلحة لتحسين قوانينها المحلية بحيث يصير الحد الأدنى لسن التجنيد والاشتراك في النزاع المسلح سن الثامنة عشرة.
- نشر قواعد القانون الدولي الإنساني على نطاق واسع الأمر الذي يشكل في كل الأحوال التزاماً تتعهد به الدول بما في ذلك إدراج مفهوم الحماية الخاصة بالأطفال في كل المستويات التراتبيه لبرامج التدريب وتمرينات القوات المسلحة وقوات الأمن الوطنية.
- تطوير القواعد الدولية والوطنية بما يكفل إمداد الأطفال في ظل النزاعات المسلحة بالحماية نفسها المكفولة للأطفال في ظل السلام.
- إدراج مادة القانون الدولي الإنساني في الجامعات والمعاهد المتخصصة وتشجيع البحوث العلمية والدراسات وإقامة الندوات في هذا المجال وإعداد حملات لتوعية السكان عامة والأطفال والمراهقين بصورة خاصة في المدارس ودور الأيتام ونوادي الأطفال وغيرها.
- القضاء على ازدواجية المعايير في القضايا الدولية الإنسانية والسعي لإيجاد صيغة صارمة لضمان تحرير الهيئات الدولية من السيطرة والضغط الذي قد يفضي بها إلى دائرة التفريغ الكامل وانعدام الثقة، وهذا يتطلب إرادة دولية جادة تسعى لهدف إنساني خالص.
- اتخاذ إجراءات فاعلة للحد من تجارة السلاح الخفيف ومنع وصوله إلى البلدان التي تظهر فيها بؤر النزاع المسلح.
- إنشاء برامج عمل متخصصة لإعادة توعية وتأهيل الأطفال الذين كانوا جنوداً والاهتمام بهم ودمجهم في بيئات تساعدهم على تجاوز آثار التجنيد وسلبياته.
الهوامش :
1- راجع تعليقات كوفي أنان المنشورة في برنامج عمل الأمم المتحدة لمنع الاتجار غير المشروع بالأسلحة الصغيرة والخفيفة, من منشورات إدارة شؤون الإعلام بالأمم المتحدة.
2- ينظر : موسوعة القانون الدولي الإنساني، أ. د/ سهيل الفتلاوي ؛ د/ عماد مـحمد ربيع، صـ 226, 227.
3- ينظر : موسوعة القانون الدولي الإنساني، أ. د / سهيل الفتلاوي، ؛ د/ عماد مـحمد ربيع، صـ 225.
4- المادة (1) من اتفاقية حقوق الطفل، ونصها " يقصد بالطفل كل إنسان دون سن الثامنة عشرة، ما لم يكن قد بلغ سن الرشد قبل ذلك بموجب القانون المنطبق على الطفل".
5- ينظر نص المادة من اتفاقية حقوق الطفل للعام 1989م.
6- ينظر: حماية الطفل في النزاعات المسلحة، للباحث خالد بن علي آل خليفة، صـ 30،31، بحث منشور ضمن مجلة الطفولة والتنمية الصادرة عن المجلس العربي للطفولة والتنمية، العدد (4) م/ 1، سنة 2001م.
7- ينظر: المصدر السابق نفسه، نفس الصفحات.
8- ينظر: منع نشوب الصراعات المسلحة، تقرير الأمين العام السابق للأمم المتحدة " كوفي أنان "،53.
9- تنظر نشرة اللجنة الدولية للصليب الأحمر، ديسمبر 2003.
10- ينظر: المصدر السابق نفسه، الصفحة نفسها.
11- تراجع اتفاقية الأمم المتحدة لحقوق الطفل.
12- تراجع المواد (1, 2، 3،4) من البروتوكول الاختياري.
13- ينظر نص المادة (3) من البروتوكول الاختياري.
14- تراجع المادة (5) من البروتوكول الاختياري.
15- وفقاً للمادة 8(2)ب26، 8(2)هـ7 من النظام الأساسي للمحكمة..يعتبر تجنيد الأطفال دون سن الخامسة عشرة من العمر أو استخدامهم للاشتراك الفعلي في الأعمال العدائية جريمة حرب في النزاعات الدولية أو غير الدولية على السواء.
16- هذا ما تضمنته اتفاقية جنيف الرابعة لعام1949، والبروتوكول الإضافي الأول لعام1977، وكذلك قانون حقوق الإنسان.
17- اتفاقية جنيف الرابعة المواد (14, 17،24 ـ (2) ـ، 49ـ (3) ـ، 132 ـ (2)، والبروتوكول الإضافي الأول، المادة 78،والبروتوكول الإضافي الثاني، المادة، 4 (3) (هـ).
18- هذا ما تضمنته اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949، والبروتوكول الإضافي الأول لعام 1977، وكذلك قانون حقوق الإنسان.
19- اتفاقية جنيف الرابعة المواد (14, 17،24 ـ (2) ـ، 49ـ (3) ـ، 132 ـ (2)، والبروتوكول الإضافي الأول، المادة 78،والبروتوكول الإضافي الثاني، المادة، 4 (3) (هـ).
20- تراجع المادة (5) من البروتوكول الإضافي الثاني لعام 1977م.
21- اتفاقية جنيف الرابعة، المواد(23، 24ـ (1)، 38ـ(5)ـ،50،89 ـ (5)ـ والبروتوكول الإضافي الأول، المادتان: 7(1)، 77 (1) والبروتوكول الإضافي الثاني المادة، 4 (3).
22- راجع المواد 24 إلى 26 و 49(3) و50 و82 من اتفاقية جنيف الرابعة و المواد 74 و 75(5) و76(3) و78 من البروتوكول الإضافي الأول و المادتان4(3)(ب) و6(4). البروتوكول الإضافي الثاني.
23- راجع المواد 24(1) و50 و94 من اتفاقية جنيف الرابعة. والمادة 78 (2) من البروتوكول الإضافي الأول. والمادة4(3)(أ) من البروتوكول الإضافي الثاني.
24- راجع المواد 51(2) و76(5) و82 و85(2) و89 و94 و119(2) و132 من اتفاقية جنيف الرابعة. و المادة 77(3) و (4) من البروتوكول الإضافي الأول, والمادة المادة 4(3)(د). من البروتوكول الإضافي الثاني.
25- اتفاقية جنيف الرابعة, المادة68(4). والبروتوكول الإضافي الأول, المادة77(5), والبروتوكول الإضافي الثاني, المادة6(4).
26- ينظر: النشرة الصادرة عن اللجنة الدولية للصليب الأحمر، ديسمبر 2003، صـ 13.
27- ينظر : التقرير الصادر عن منظمة " watch list "
28- راجع المواد 27 إلى 34 من الاتفاقية الرابعة والمادة 75 من البروتوكول الإضافي الأول.
29- راجع المادتان 48 و51 من البروتوكول الإضافي الثاني.
30- راجع المادة الثالثة المشتركة من اتفاقية جنيف, و المادة الرابعة من البروتوكول الإضافي الثاني.
31- راجع المادة 13 من البروتوكول الإضافي الثاني.
32- ينظر : حماية السكان المدنيين والأعيان المدنية إبان النزاعات المسلحة، دراسة مقارنة بالشريعة الإسلامية, د/ أبو الخير أحمد عطية, صـ 110, وما بعدها.
33- وفقاً للتقرير العالمي الصادر عن التحالف من أجل وقف استخدام الأطفال الجنود، 2001.
34- وفقاً لإحصائية أجرتها منظمة اكسفوم فأكثر من نصف أطفال أفغانستان أي 7 مليون طفل لا يذهبون إلى المدارس وللتفصيل حول هذا الموضوع انظر إلى ((أكثر من نصف أطفال أفغانستان لا يذهبون إلى المدارس)) تقرير منشور على شبكة الإنترنت http://www.amanjordan.org/anews/wmview.php ?ArtID=6022.
35- انظر نص هذا التقرير (تم إعداد هذا التقرير من قبل الرابطة العراقية بتاريخ 8/6/2006م) تقرير منشور على شبكة الانترنت:http://www.attajdid.ma/def.asp?codelangue=6&infoun=25 998
36- عن نفس المصدر السابق ص2 من التقرير وانظر كذلك في مقال منشور بصحيفة ميدل ايست اونلاين لياسر سعد على العنوان التالي: http://majdah.maktoob.com/vb/showthread.php?t=14625
37- دارفور: الأطفال في خطر‘ عنوان تقرير جديد لليونيسف تقرير منشور على شبكة الانترنت: http://www.unicef.org/arabic/infobycountry/index_30538.html
38- التفاصيل في (النزاع في البلقان المآسي الإنسانية والتحدي الذي يواجهه العمل الإنساني المستقل) صـ 109, وما بعدها, بقلم بيير كريهنبوهل, ضمن مقالات المجلة الدولية للصليب الأحمر, مختارات من أعداد عام (2000) مـ.
39- موسوعة القانون الدولي الإنساني, أ. د/ سهيل الفتلاوي، د/ عماد مـحمد ربيع، صـ 226.
40- ينظر : حماية السكان المدنيين والأعيان المدنية إبان النزاعات المسلحة, صـ، 119 د/ أبو الخير أحمد عطية.
41- جاء في قرار مجلس وزراء منظمة الوحدة الإفريقية في دورته (60), يونيو / 1994 م, المنعقدة في تونس " إن مجلس وزراء منظمة الوحدة الإفريقية....... يأخذ في الاعتبار أن قواعد القانون الدولي الإنساني ومبادئه الأساسية هي مجموعة من القيم الشاملة المقبولة التي لم يتم تنفيذها بالكامل حتى الآن."
42- يراجع : نص إعلان حماية النساء والأطفال في حالة الطوارئ والنزاعات المسلحة. الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة بتاريخ ديسمبر (1974) م.
43- ينظر: حماية الأطفال في حالة النزاع المسلح, للسيدة الأستاذة : ساندرا سنجر, بحث منشور ضمن كتاب دراسات في القانون الدولي الإنساني, صـ 138.

([1]) راجع تعليقات كوفي أنان المنشورة في برنامج عمل الأمم المتحدة لمنع الاتجار غير المشروع بالأسلحة الصغيرة والخفيفة, من منشورات إدارة شؤون الإعلام بالأمم المتحدة.
([2]) ينظر : موسوعة القانون الدولي الإنساني، أ. د/ سهيل الفتلاوي؛ د/ عماد مـحمد ربيع، صـ 226, 227.
([3]) ينظر : موسوعة القانون الدولي الإنساني، أ. د / سهيل الفتلاوي؛ د/ عماد مـحمد ربيع، صـ 225.
([4]) المادة (1) من اتفاقية حقوق الطفل، ونصها " يقصد بالطفل كل إنسان دون سن الثامنة عشرة، ما لم يكن قد بلغ سن الرشد قبل ذلك بموجب القانون المنطبق على الطفل ".
([5]) ينظر نص المادة من اتفاقية حقوق الطفل للعام، 1989 / م.
([6]) ينظر: حماية الطفل في النزاعات المسلحة، للباحث خالد بن علي آل خليفة، صـ 30،31، بحث منشور ضمن مجلة الطفولة والتنمية الصادرة عن المجلس العربي للطفولة والتنمية، العدد (4) م/ 1، سنة 2001.م.
([7]) ينظر : المصدر السابق نفسه، نفس الصفحات.
([8]) ينظر :منع نشوب الصراعات المسلحة، تقرير الأمين العام السابق للأمم المتحدة " كوفي أنان "،53.
([9])تنظر نشرة اللجنة الدولية للصليب الأحمر، ديسمبر 2003.
([10]) ينظر : المصدر السابق نفسه، الصفحة نفسها.
([11]) تراجع اتفاقية الأمم المتحدة لحقوق الطفل.
([12]) تراجع المواد (1, 2، 3،4) من البروتوكول الاختياري.
([13]) ينظر نص المادة (3) من البروتوكول الاختياري.
([14]) تراجع المادة (5) من البروتوكول الاختياري.
([15]) وفقاً للمادة 8 (2) ب 26 ، 8 (2) هـ7 من النظام الأساسي للمحكمة...يعتبر تجنيد الأطفال دون سن الخامسة عشرة من العمر أو استخدامهم للاشتراك الفعلي في الأعمال العدائية جريمة حرب في النزاعات الدولية أو غير الدولية على السواء.
([16]) وهذا ما تدعوا إليه اللجنة الدولية للصليب الأحمر، كما تؤكد في هذا السياق على :
- إذا لم يطلق سراح الطفل في الاحتجاز لمدة طويلة ينبغي نقله إلى مؤسسة مناسبة للقصر.
- إتاحة الاتصالات المباشرة والمنتظمة بين الأطفال وأسرهم.
- توفير الطعام والرعاية الصحية المناسبة لسن الطفل وحالته العامة.
- ينبغي أن يقضي الطفل جزءً كبيراً من اليوم في الهواء الطلق.
- تمكين الطفل من مواصلة تعليمه.تنظر في ذلك : النشرة الصادرة عن اللجنة الدولية للصليب الأحمر، ديسمبر 2003، ص_ 9
([17]) يراجع نص البروتوكولان الإضافيان لاتفاقية جنيف.
([18]) هذا ما تضمنته اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949، والبروتوكول الإضافي الأول لعام 1977، وكذلك قانون حقوق الإنسان.
([19]) اتفاقية جنيف الرابعة المواد (14, 17،24 ـ (2) ـ، 49ـ (3) ـ، 132 ـ (2)، والبروتوكول الإضافي الأول، المادة 78،والبروتوكول الإضافي الثاني، المادة، 4 (3) (هـ).
([20]) تراجع المادة (5) من البروتوكول الإضافي الثاني لعام 1977م.
([21]) اتفاقية جنيف الرابعة، المواد(23، 24 ـ (1)، 38 ـ(5) ـ، 50، 89 ـ (5) ـ والبروتوكول الإضافي الأول، المادتان:7(1)، 77 (1) والبروتوكول الإضافي الثاني المادة، 4(3).
([22]) راجع المواد 24 إلى 26 و 49(3) و50 و82 من اتفاقية جنيف الرابعة و المواد 74 و 75(5) و76(3) و78 من البروتوكول الإضافي الأول و المادتان4(3)(ب) و6(4). البروتوكول الإضافي الثاني.
([23]) راجع المواد 24 (1) و50 و94 من اتفاقية جنيف الرابعة. والمادة 78 (2) من البروتوكول الإضافي الأول. والمادة 4(3)(أ) من البروتوكول الإضافي الثاني.
([24])راجع المواد 51(2) و76(5) و82 و85(2) و89 و94 و119(2) و132 من اتفاقية جنيف الرابعة. و المادة 77(3) و (4) من البروتوكول الإضافي الأول, والمادة المادة 4(3)(د). من البروتوكول الإضافي الثاني.
([25])اتفاقية جنيف الرابعة, المادة 68(4). والبروتوكول الإضافي الأول, المادة 77(5), والبروتوكول الإضافي الثاني, المادة 6(4).
([26])ينظر: النشرة الصادرة عن اللجنة الدولية للصليب الأحمر، ديسمبر 2003، صـ 13.
([27]) ينظر : التقرير الصادر عن منظمة " watch list "
([28]) راجع المواد 27 إلى 34 من الاتفاقية الرابعة والمادة 75 من البروتوكول الإضافي الأول.
([29]) راجع المادتان 48 و51 من البروتوكول الإضافي الثاني.
([30]) راجع المادة الثالثة المشتركة من اتفاقية جنيف, و المادة الرابعة من البروتوكول الإضافي الثاني.
([31]) راجع المادة 13 من البروتوكول الإضافي الثاني.
([32]) ينظر : حماية السكان المدنيين والأعيان المدنية إبان النزاعات المسلحة، دراسة مقارنة بالشريعة الإسلامية, د/ أبو الخير أحمد عطية, صـ 110, وما بعدها.
([33]) وفقاً للتقرير العالمي الصادر عن التحالف من أجل وقف استخدام الأطفال الجنود، 2001.
([34]) وفقاً لإحصائية أجرتها منظمة اكسفوم فأكثر من نصف أطفال أفغانستان أي 7 مليون طفل لا يذهبون إلى المدارس وللتفصيل حول هذا الموضوع انظر إلى ((أكثر من نصف أطفال أفغانستان لا يذهبون إلى المدارس)) تقرير منشور على شبكة الإنترنت http://www.amanjordan.org/anews/wmview.php ?ArtID=6022
([35]) انظر نص هذا التقرير (تم إعداد هذا التقرير من قبل الرابطة العراقية بتاريخ 8/6/2006م) تقرير منشور على شبكة الانترنت: http://www.attajdid.ma/def.asp?codelangue=6&infoun=25 998
([36]) عن نفس المصدر السابق ص2 من التقرير وانظر كذلك في مقال منشور بصحيفة ميدل ايست اونلاين لياسر سعد على العنوان التالي: http://majdah.maktoob.com/vb/showthread.php?t=14625
([37]) دارفور:الأطفال في خطر‘ عنوان تقرير جديد لليونيسف تقرير منشور على شبكة الانترنت:http://www.unicef.org/arabic/infobycountry/index_30538.html
([38]) التفاصيل في (النزاع في البلقان المآسي الإنسانية والتحدي الذي يواجهه العمل الإنساني المستقل) صـ 109, وما بعدها، بقلم بيير كريهنبوهل، ضمن مقالات المجلة الدولية للصليب الأحمر، مختارات من أعداد عام (2000) مـ.
([39]) موسوعة القانون الدولي الإنساني، أ. د/ سهيل الفتلاوي، د/ عماد مـحمد ربيع، صـ 226.
([40]) ينظر : حماية السكان المدنيين والأعيان المدنية إبان النزاعات المسلحة، صـ، 119 د/ أبو الخير أحمد عطية.
([41]) جاء في قرار مجلس وزراء منظمة الوحدة الإفريقية في دورته (60)، يونيو / 1994 م, المنعقدة في تونس " إن مجلس وزراء منظمة الوحدة الإفريقية.......يأخذ في الاعتبار أن قواعد القانون الدولي الإنساني ومبادئه الأساسية هي مجموعة من القيم الشاملة المقبولة التي لم يتم تنفيذها بالكامل حتى الآن."
([42]) يراجع : نص إعلان حماية النساء والأطفال في حالة الطوارئ والنزاعات المسلحة. الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة بتاريخ ديسمبر (1974) م.
([43]) ينظر : حماية الأطفال في حالة النزاع المسلح، للسيدة الأستاذة : ساندرا سنجر، بحث منشور ضمن كتاب دراسات في القانون الدولي الإنساني، صـ 138.

التدخل العسكري لأجل الديمقراطية ومشروعيته


التدخل العسكري لأجل الديمقراطية ومشروعيته


أ. د/ محمد محمد سعيد الشعيبي
أستاذ القانون الدولي
كلية الحقوق ـ جامعة تعز

مــقــدمــة
مَرّ المجتمع الدولي بمنعطفين تاريخيين أسهما بقوة في ترسيخ قواعد جديدة في القانون الدولي إلى جانب تطوير وتحديث ما عُرف منها:
المنعطف الأول هو الحرب العالمية الثانية، بما أحدثت من التحولات العميقة التي برز أثرها جلياً على العالم برمته، والثاني فترة ما بعد الحرب الباردة التي أفرزت النظام العالمي الجديد والذي من أهم مؤثراته وانتاجاته نظرية التدخل الإنساني والتدخل لأجل الديمقراطية الذي مهد لهذه النظرية وهيأ لظهورها رسوخ نظرية حفظ السلم الدولي بعد الحرب العالمية الثانية.
إن المفهوم العام للتدخل لأجل حماية الديمقراطية أو فرضها على دولة ما بالقوة العسكرية ومن لوازم تلك الحماية التدخل في الشئون الداخلية لتلك الدولة، وذلك هو محور البحث ومن خلاله نحاول فك رموز مشكلة البحث والإجابة على أهم تساؤلاته حولها.
فمشكلة البحث حول مبدأ التدخل لأجل الديمقراطية نشأت من الشبهات التي تثور حول مدى مشروعيته أولاً، ونزاهته وسلامة مقاصده وجدواه ثانياً وما يكتنفه من الإشكاليات القانونية. وقد ساعد على تضخم تلك الشبهات استحواذ الولايات المتحدة الأمريكية على الخطاب الديمقراطي واحتكار تصديره للعالم والدفاع عنه في حين يدرك الجميع أن الديمقراطية بإيجابياتها مشتركً إنساني يجب أن يتولاه المجتمع الدولي بالرعاية والتحديث.
وكذلك أثيرت مشكلات قانونية متعددة حول قيام المنظمات الإقليمية والتحالفات العسكرية بتقنين أحكام التدخل العسكري لأجل الديمقراطية، وتتلخص أهم تلك المشكلات في مشروعية التدخل في شئون الدول لأجل الديمقراطية؟
وما أثر ذلك على حق الدول في السيادة غير المنتقصة؟ ومدى صحة تركيز نظام الأمن الجماعي بيد الأمم المتحدة وحكم الانقلابات العسكرية على الديمقراطية وقيام الحاكم بإلغاء نتائج الانتخابات، وأخيراً إلى أي مدى يتناسب التدخل العسكري لأجل الديمقراطية وأحوال دول العالم الثالث التي معظمها دول غير ديمقراطية حتى الساعة.
ويسعى هذا البحث إلى تسليط الضوء على مشكلته الرئيسية من خلال:
1) تتبع الممارسة الدولية للتدخل العسكري لأجل الديمقراطية أياً كانت جهته.
2) بيان مشروعية التدخل العسكري لأجل الديمقراطية في ضوء أحكام القانون الدولي، ومواثيق المنظمات الإقليمية وبيان مدى تعارضها مع مبادئ الميثاق التي تسمو على كل وثيقة دولية.
3) التركيز على مشروعية التدخل من زاويتين الأولى جهة التدخل (الأمم المتحدة، المنظمات، الدول منفردة)، والثانية غرض التدخل (حماية الديمقراطية، أو فرضها)، ولعل هذا الهدف من الإضافات العلمية المرجو عموم فائدتها ونفعها.
وقد اقتضت طبيعة هذه الدراسة تقسيمها على النحو التالي:
ـ المبحث الأول: التدخل العسكري لأجل الديمقراطية. وفيه مطلبان:
ـ المطلب الأول: ممارسة التدخل في فترة الحرب الباردة.
ـ المطلب الثاني: ممارسة التدخل بعد الحرب الباردة.
ـ المبحث الثاني: مشروعية التدخل العسكري لأجل الديمقراطية. وفيه ثلاثة مطالب:
ـ المطلب الأول: مشروعية التدخل العسكري من الأمم المتحدة.
ـ المطلب الثاني: مشروعية التدخل العسكري من المنظمات الإقليمية.
ـ المطلب الثالث: مشروعية التدخل العسكري من الدول منفردة.


المبحث الأول
التدخل العسكري لأجل الديمقراطية

يعد التدخل العسكري لأجل الديمقراطية في نظر غالبية الفقهاء صورة من صور التدخل الإنساني، ويرى البعض بأنه يعتبر الجيل الثاني للتدخل الإنساني([1])، ويتم إما بغرض فرض الديمقراطية أو حمايتها.
وقد مورس من قبل منظمة الأمم المتحدة والمنظمات الإقليمية والدول، استناداً إلى نظريتي حفظ السلم الدولي، والانتهاكات السافرة، في حين تتذرع الدول بحفظ السلم الإقليمي.
وسوف نتناول أهم التدخلات العسكرية في فترة الحرب الباردة وما بعدها، والتي تمت لأجل الديمقراطية أحيانا وتحت ذريعة الديمقراطية في أحيان أخرى([2]).

المطلب الأول
التدخلات العسكرية في فترة الحرب الباردة

لم يرصد البحث سوى تدخلاً واحداً للأمم المتحدة لأجل الديمقراطية فعلياً في هذه الفترة ووجدت تدخلات من قبل الدول والمنظمات الإقليمية.
أولاً: تدخل مجلس الأمن في جنوب روديسيا (زمبابوي حالياً):
الحالة الوحيدة لتدخل الأمم المتحدة عسكرياً لأجل الديمقراطية في فترة الحرب الباردة هي تدخلها في جنوب روديسيا عندما قامت الأقلية البيضاء هناك باغتصاب السلطة بعد رحيل الاستعمار بدون انتخابات رغم معارضة الأغلبية السوداء، إذ بالرغم من حلول الدكتاتورية محل الاستعمار في معظم الدول النامية إلا أن مجلس الأمن والجمعية العامة كانا يغضان الطرف باستثناء هذه الحالة التي تدخل فيها مجلس الأمن عسكرياً([3]).
فبعد استقلال جنوب روديسيا (زمبابوي حالياً) عن بريطانيا عام 1962م طلبت الجمعية العامة من بريطانيا أن تدعو إلى مؤتمر لوضع دستور جديد هناك خاصة في ظل وجود أقلية بيضاء وأغلبية سوداء، فيكون الحل هو الديمقراطية([4])، وأكدت الجمعية العامة أن ذلك يستند إلى الحقوق السياسية للشعوب، وحق تقرير المصير، ولكن بريطانيا في البداية دفعت بمبدأ عدم التدخل في الشئون السياسية، ثم تراجعت بعد أن أكدت الجمعية العامة أن اغتصاب السلطة تمييز عنصري سياسي([5])، فطالبت بريطانيا الأمم المتحدة الترخيص لها باستخدام القوة لفرض الديمقراطية، وقد تدخل مجلس الأمن من خلال الآتي:
ـ أذن لبريطانيا باستخدام الإجراءات التأديبية التي تكفل ضمان الإطاحة بنظام البيض الديكتاتوري وتمكين الشعب من ممارسة الحقوق السياسية([6]).
فرض مجلس الأمن عقوبات اقتصادية لأول مرة في تاريخه على جنوب روديسيا، ثم وسعها، واستمرت من عام 65-78م واقتنعت الجمعية العامة عام 67م بعدم جدواها([7])، ثم استمر تدخل الأمم المتحدة وبريطانيا حتى عام 79م، وبالرغم من تنظيم الأقليات البيضاء انتخابات أسفرت عن فوزهم إلا أن الأمم المتحدة ومنظمة الدول الإفريقية صممتا على أن الانتخابات مزورة، وتم في نهاية 79م تنظيم انتخابات جديدة بإشراف دولي أسفرت عن فوز الأغلبية السوداء([8]).
ونستخلص من جانبنا المبادئ الدولية الجديدة المستفادة من هذه الباكورة وهي:
1) مبدأ الديمقراطية بديل ضروري للاستعمار: حيث أكدت الأمم المتحدة ذلك، ولكنها تساهلت في تطبيق وتعميم هذا المبدأ الذي كان يسير في اتجاه بناء العالم بناءً صحيحاً.
2) مبدأ ارتباط الديمقراطية بحقوق الإنسان وحق تقرير المصير، ومبدأ اعتبار انتهاك الديمقراطية من قبيل التميز العنصري السياسي.
ويعد هذا التدخل لأجل فرض الديمقراطية في البداية، وحمايتها في النهاية، بالرغم من أن مجلس الأمن كان يربطه بتهديد السلم الدولي، وفق المادة 39 من الميثاق ولم يشر إلى مسألة حماية أو فرض الديمقراطية، وقد أبطل مجلس الأمن في 78م أي تسوية سياسية بمعرفة الأقلية البيضاء وحدها، وبدا كأنه قاضياً يحكم ببطلان الاتفاقات السياسية التي تبعد عن إرادة الشعب والمساواة في حقوق الإنسان، ويعد ذلك اتجاهاً رائداً في ميدانه.
ثانياً: التدخلات الإقليمية العسكرية لأجل الديمقراطية في فترة الحرب الباردة:
هي جملة التدخلات التي قامت بها منظمات إقليمية أو دول بمفردها تحت غطاء إقليمي ومثالها:
1- التدخل الأمريكي في جمهورية الدومنيكان 1965م:
أبدت مجموعة الدول الأمريكية "اللاتينية" مخاوفها من حكم الدكتاتوري "تروجيللو" الذي حكم الدومنيكان من عام 1930-1960م، حيث فرضت المجموعة عقوبات أدت إلى استقالته، وبعد مسلسل الانقلابات هناك التي انتهت بحرب أهلية، تدخلت أمريكا عسكرياً، تحت مبرر حماية الرعايا، ومحاربة الشيوعية، وحفظ السلم الإقليمي، خاصة أن منظمة الدول الأمريكية أصدرت عدة بيانات تؤكد رفضها لإقامة دولة شيوعية في تلك الدولة، وأقامت أمريكا جيشاً هناك([9]).
ثم دعا مجلس الأمن منظمة الدول الأمريكية للاجتماع وأصدرت قرارين لوقف إطلاق النار([10])، ثم اجتمعت المنظمة وقررت إرسال لجنة للدومنيكان لتفعيل قرار مجلس الأمن، وقررت تشكيل قوات من دول أمريكا اللاتينية لإعادة الحياة هناك، في حين حرصت أمريكا على عدم خضوع قواتها لقيادة المنظمة، ورغم معارضة خمس دول لقرار المنظمة، إلا أنه ينظر إليه على أنه إجراء لتوفير غطاء قانوني على تصرف أمريكا المنفرد، وهو ما صيغ بطريقة ملائمة إذ بالرغم أن الوثائق الأساسية للمنظمة لا تنص على تشكيل قوة دولية تابعة للمنظمة، ولا على إجراءات التدخل في الحرب الأهلية، إلا أن القرار كان يهدف إلى إيجاد شرعية لاحقة([11]).
ويرى البعض أن قرار المنظمة السابق يتفق مع إعلان عام 1954م وإعلان عام 1962م الصادرين عن المنظمة واللذين ينصان على أن استيلاء الشيوعيين على دولة أمريكية يهدد السلم الإقليمي ويتطلب اتخاذ تدابير مناسبة ضده([12]).
ويؤكد معظم الفقه عدم مشروعية التدخل الأمريكي في الدومنيكان، حيث انعدم المبرر وهو وجود ثورة شيوعية، وقد اعترض بعض أعضاء الكونجرس الذين خلصوا إلى أنّ الرئيس أخفى بعض الحقائق، حتى اعتبره البعض تدخلاً ضد الديمقراطية([13]).
ونرى بأنه يجب تطبيق مبادئ الميثاق الذي يسمو على كل المعاهدات الإقليمية، وسوف نبين لاحقاً مشروعية استخدام القوة في ميثاق هذه المنظمة.
2-الغزو الأمريكي لغرينادا 1983م:
يطرح هذا التدخل كأحد أمثلة التدخل العسكري الانفرادي لأجل الديمقراطية، إلا أن ظروف الحدث تؤكده، فبعد استقلال غرينادا اختارت حاكماً، وعين رئيس الوزراء Gairy لكنه كان دكتاتورياً متوحشاً وصديقاً لأمريكا، وإثر زيارته لأمريكا حدثت عدة انقلابات تبعها أعمال عنف، فطالبت منظمة دول شرق الكاريبي المساعدة من أمريكا، التي تدخلت عسكرياً مع بعض جنود من ست دول المنظمة، وأسفر التدخل عن تدمير مئات المنازل وأعادت أمريكا صديقها Gairy لرئاسة الوزراء([14]).
وبررت أمريكا التدخل بأن زعماء الانقلاب الجديد يهددون السلم الإقليمي، والتدخل يعد دفاعاً شرعياً جماعياً وفق المادة (8) من ميثاق منظمة الكاريبي خاصة مع تزايد العنف وتواصل الانقلابات([15]).
ولكن هذا التدخل عٌد أكبر نكسة لأمريكا، وانتقدتها معظم الدول حتى حلفائها إذ قالت مسئولة بريطانية: " إذا كانت أمريكا قد سنت قانوناً جديداً معناه جواز قمع أي نظام شيوعي يظهر، فإننا سنواجه حروباً مروعة "، كما أدانت مناقشات مجلس الأمن هذا التدخل، وقررت الجمعية العامة وقف إطلاق النار، وتنظيم انتخابات حرة ونزيهة([16]).
وتبعاً لذلك اعتبره البعض تدخلاً ضد الشيوعية، في حين اعتبره البعض تدخلاً مشروعاً لحماية الديمقراطية([17]).
ثالثاً: تدخل تنزانيا في أوغندا 1978م:
كان هذا التدخل للإطاحة بنظام عيدي أمين تحت مبرر الدفاع الشرعي، والإطاحة بالدكتاتور الإفريقي الذي جاء بانقلاب عسكري، ورغم إدانة السودان للتدخل، إلا أن المجتمع الدولي سكت عن إدانته، لأنه دعم حركة التحرير ضد الدكتاتورية والاستبداد، وتم من قبل دولة فقيرة لا مصلحة لها، رغم معارضة معظم الفقه لهذا التدخل، لعدم مشروعيته في ظل قواعد القانون الدولي الحديث([18]).
2-تدخل فرنسا في إفريقيا الوسطى 1979م:
تم هذا التدخل بغرض إعادة النظام الجمهوري الذي أطاح به الضابط BOKASSA وقلد نفسه إمبراطورا وارتكب مذبحة طلاب الدراسات العليا بقتل 200 طالب منهم إثر مظاهرة قاموا بها، وكان هذا التدخل محل قبول المجتمع الدول، كون الدافع الإنساني والديمقراطي، هو الدافع الوحيد لفرنسا التي انسحبت فوراً، رغم معارضة بعض الفقه والدول له([19]).
3- تدخل أمريكا في بنما عام 1989م:
وهو أوضح تدخل يطرح فيه المبرر الديمقراطي بقوة، إذ جاء إثر قيام الدكتاتور نورييغا بقتل معارضين سياسيين، وتجارة المخدرات، وفي عام 1989م قام بإلغاء نتائج الانتخابات الرئاسية الأولى التي أسفرت عن فوز خصمه Endara، ولكنه ألغى إرادة الشعب، الأمر الذي دفع أمريكا إلى التدخل العسكري وقبضت عليه وأعادت الرئيس المنتخب ومكنته من استلام السلطة، وطرحت مبررات قوية هي رقابة وحماية الديمقراطية، وحماية الرعايا، ودعوة الحاكم الشعبي المنتخب ومكافحة ومعاقبة تجار المخدرات([20]).
ولقي التدخل إدانة عالمية واسعة من مجلس الأمن والجمعية العامة ومنظمة الدول الأمريكية عدا بريطانيا([21])، كما أن محكمة العدل الدولية في حكمها في قضية قناة بنما قرأت المادة 2/4 من الميثاق وفق المذهب الموسع الذي يحظر استخدام القوة مطلقاً حتى لو لم يهدف إلى النيل من السلامة الإقليمية أو كان يتفق مع مبادئ الميثاق([22]).
في حين يؤكد البعض مشروعيته بحسبانه تدخلاً لأجل الديمقراطية مائة بالمائة من جهتين: الأولى انه استجابة لدعوة الحاكم المنتخب والثانية أنه ممارسة لنظرية التدخل الديمقراطي كما أن بنما كانت قد أعلنت الحرب على أمريكا([23]) كما أنه تم لحماية الديمقراطية التي تعد جزءً من حقوق الإنسان، كما أن أمريكا لم تتدخل إلا عقب إلغاء الانتخابات وكلفت الرئيس المنتخب أداء اليمين الدستورية قبل التدخل، رغم عدم إذن المجلس، ووجود مصالح حيوية لأمريكا هناك أهمها القناة.

4- التدخل الأمريكي في نيكاراغوا 1984:
قبل 1984م تولت الحكومة الساندستية حكم نيكاراغوا، بقوة السلاح، لا بانتخابات، وقدمت لها مساعدات خارجية لكي تتحول إلى الديمقراطية، ولكنها كانت تسحق المقاومة الشعبية المسلحة، ولسبب زعم واشنطن أن حكومة نيكاراغوا تنوي إقامة حكم دكتاتوري شيوعي في أمريكا الوسطى، فإن منظمة الدول الأمريكية تدخلت سلمياً خاصة بعد تحقيقات الكونجرس الأمريكي التي خلصت إلى أن نيكاراغوا اتخذت خطوات لإقامة نظام شيوعي وديكتاتوري، وأسفر عن تدخل المنظمة أن تعهدت نيكاراغوا لمنظمة الدول الأمريكية بأن تتخذ إصلاحات سياسية، وتجري انتخابات حرة([24])، ولكن أمريكا خاصة بعد إعلان مبدأ ريفان قامت بالأنشطة العسكرية وغير العسكرية لدعم المتمردين في نيكاراغوا وتلغيم موانئها في عام 1984م تحت مبررات ديمقراطية، وأنها تتصرف نيابة عن منظمة الدول الأمريكية لإنقاذ تعهد نيكاراغوا للمنظمة([25]).
وأدان معظم المجتمع الدولي هذا التدخل باعتبار أن تلك الحكومة كانت قد بدأت في الإصلاحات، كما أنه تم بغرض محاربة المد الشيوعي في أمريكا الوسطى، فضلاً عن مخالفته للقواعد القانونية، كما قررت محكمة العدل الدولية عدم مشروعية التدخل، وسنؤخر الحكم لموضع لاحق.
5- تدخلات أخرى:
مارست أمريكا عدة تدخلات عسكرية ومالية تحت ذريعة الديمقراطية ضد أنظمة شيوعية أو إسلامية أو معارضة لها، فقط أطاحت بحكومة مصدق الإيرانية المنتخبة عام 1947م، وأطاحت بنظام Arbenz في جواتيمالا 1954م، ونصبت بدله نظاماً قمعياً، وقدمت مساعدات عسكرية لإسقاط حكومة Sukano في اندونيسيا 1955م، وكذلك حكومة Silva في البرازيل 1964م، وساعدت حكومة السلفادور القمعية ضد المعارضة([26])، وتدخلت في اليونان1947م بذريعة محاربة الشيوعية، وفي بيرو لبقاء الحكومة المؤيدة لها، وعسكرياً تدخلت في فيتنام الشمالية1964م، وفي تشاد 1985م فرضت نظام حكم غير منتخب، ومولت الانتخابات في الفلبين 1947م واندونيسيا 1958م، واستراليا 1972م([27]).
- وبناءً على ما تقدم نستخلص التالي:
1) لم تظهر صورة التدخل لأجل الديمقراطية بصورة واضحة إلا بعد الحرب الباردة، باستثناء تدخل مجلس الأمن في جنوب روديسيا، وذلك بسبب الصراع القطبي آنذاك، الأمر الذي جعل المواقف داخل الجمعية العامة ومجلس الأمن سياسية مصلحيه بحته، وظهرت نظرية التدخل لأجل الديمقراطية صراحة في مبدأ ريفان الذي أعلنه الرئيس الأمريكي عام 1985م.
2) الوضع بعد الحرب الباردة تغير لصالح نظرية التدخل الديمقراطي، عبر الاتفاقيات الإقليمية التي تقنن مشروعية التدخل لحماية الديمقراطية، ومن خلال الربط الواضح بين الديمقراطية وحقوق الإنسان، والممارسات اللاحقة.
المطلب الثاني
التدخل العسكري لأجل الديمقراطية بعد الحرب الباردة

تبلورت نظرية التدخل لأجل الديمقراطية بعد الحرب الباردة، وشهد العالم دعوات للتدخل، ونشاط اتفاقي إقليمي لتقنين التدخل، ووجدت تدخلات عسكرية لأجل الديمقراطية، من الأمم المتحدة والمنظمات الإقليمية والدول منفردة.
أولاً: تدخل الأمم المتحدة عسكرياً لأجل الديمقراطية:-
قبل عام 1992م كان تدخل الأمم المتحدة قاصراً على نظرية تهديد السلم الدولي([28])، وبعده تدخلت عسكرياً لأجل الديمقراطية إما كمبرر وحيد، وإما أن يطرح المبرر الديمقراطي كأحد مبررات التدخل في إطار حفظ السلم أو التدخل الإنساني، والنوع الأول يقتصر على التدخل في هاييتي، ويشمل النوع الثاني تدخلات أخرى كالآتي:

أ‌- التدخل العسكري في هاييتي 1994م([29]):
وسبب هذا التدخل أن هاييتي بعد استقلالها عام1804م حُكمت بالنظام الملكي الذي خلفته عدة انقلابات دون تحول ديمقراطي، حتى أجريت انتخابات رئاسية تحت دعوة وإشراف دولي (منظمة الدول الأمريكية والأمم المتحدة) عام1990م انتهت بفوز Aristide الذي لم يلبث سوى عام حتى تمت الإطاحة به بانقلاب عسكري ديكتاتوري، أدانته منظمة الدول الأمريكية ([30]).
وأدانت منظمة الدول الأمريكية الانقلاب وشكلت بعثة مدنية إلى هناك، في حين تدخل مجلس الأمن بأسلوب ممتاز حيث قرر فرض جزاءات اقتصادية على هاييتي، ودعا الرئيس لحضوره اجتماعه معتبراً أن الأزمة تهدد السلم الدولي رغم تدفق قليل من اللاجئين إلى أمريكا([31]).
ثم أصدر مجلس الأمن قراره الهام رقم 940/1994م الذي أكد بأن هدف المجتمع الدولي هو إعادة الديمقراطية، وبالتالي فإنه "يأذن للدول الأعضاء عملاً بالفصل السابع، بتشكيل قوة متعددة الجنسيات، وأن تستخدم في هذا الإطار كافة الوسائل الضرورية لتسهيل عودة الرئيس المنتخب وإرساء بيئة تسمح بتنفيذ الاتفاق الوطني".
إلا أنه وفي مايو 1994م قرر كلينتون تدخله عسكرياً في هاييتي، ودخلت قوات أمريكية هاييتي بدون مقاومة وأعادت الديمقراطية لرئيسها المنتخب بعد أن ظل الرئيس المنتخب ثلاث سنوات في المنفى([32])، وقرر مجلس الأمن رفع العقوبات وإنهاء القوات متعددة الجنسية التي ألحقها إلى هناك([33]).
واعتبر هذا القرار أول قرار يسمح بالتدخل العسكري لإعادة الديمقراطية، بشكل جماعي، في حين اعترضت بعض الدول ومعظم الفقه عليه لأن المجلس تجاوز سلطته المحددة في الميثاق([34]).
الموقف من التدخل في هاييتي:
يمكن تصنيف هذا التدخل بأنه من التدخلات المشروعة وأنه يوءكد نظرية التدخل الديمقراطي، من الأمم المتحدة، استناداً إلى حقوق الإنسان ويعد ثاني تدخل عسكري للأمم المتحدة لأجل الديمقراطية بعد جنوب روديسيا، رغم أن الفقه لا يربط بين التدخلين إلا أنهما من فئة واحدة، خاصة أنه استوفى شروط التدخل الإنساني.
كما أن السبق الأمريكي هو استجابة للقرار، لأن الوضع في هاييتي كان بسيطاً لا يتطلب سوى كتيبة أمريكية، وكان ذلك استجابة لدعوة الحاكم المنتخب، وهو ما يجعل المبررات تختلط لكن المبرر الديمقراطي واضح، مما جعل بعض الفقه يقول: "بأن مجلس الأمن بالتأكيد يرى بأن وجود النظام الانقلابي نفسه، يهدد السلم الدولي، طالما أن المجلس أشار إلى ذلك رغم عدم توافر حالات تهديد السلم عملاً بالمادة 39"([35]).
ب‌- تدخل الأمم المتحدة لأجل الديمقراطية، كمبرر ثانوي:
تدخلت الأمم المتحدة عسكرياً، بعد الحرب الباردة بكثرة في إطار تهديد السلم الدولي، والتدخل الإنساني، وكانت أحياناً تطرح المبرر الديمقراطي كمبرر ثانوي في التدخلات الآتية:
1) التدخل في كردستان العراق:
بعد انتهاء الحرب الأولى في العراق، عصفت العراق بالمتمردين الشيعة والأكراد، الذين تدفقوا بنسبة مليون لاجئ إلى إيران وتركيا، فأصدر مجلس الأمن قراره الشهير رقم 688/1991م الذي يؤكد نظرية التدخل الإنساني([36])، وتلته عمليات عسكرية لقوات التحالف لأغراض إنسانية وهي إيصال المساعدات وحماية منطقة السماوات الآمنة، إلا أن المبرر الديمقراطي ظهر لأول مرة في العراق وبشكل خجول في نقطتين.
الأولى: أشار القرار إلى ضرورة أن يفتح العراق حواراً مفتوحاً لكافة القوى، لكفالة احترام حقوق الإنسان، وهو ما جعل مندوب اليمن في المجلس يعترض بأن مجرد الإشارة إلى الأوضاع السياسية يعارض المادة 2/7 من الميثاق ويشكل سابقة خطيرة([37]).
والثانية: اقترح بوش أن الحل في العراق هو أن يقوم الشعب والجيش بإقصاء صدام من السلطة لكن بوش تراجع عن ذلك، لعدم تبلور النظرية، وأعلن بأنه لم يقصد التحريض([38])، وفي عام 2003م بدأ المبرر الديمقراطي بشكل واضح وأساسي.
2) التدخل في الصومال 1992م:
يجمع الفقه بأن عملية استعادة الأمل في الصومال عام 1992م، تعد أول عملية إنسانية حقيقية للأمم المتحدة، وهي مثال للتدخل الإنساني العسكري وقصد بها تقديم المساعدات، ونشر قوات حفظ السلام بعد تزايد الحرب الأهلية بسبب عدم الوفاق السياسي، وأذن المجلس لأول مرة لمجموعة من الدول باستخدام القوة العسكرية، في النزاعات الداخلية دون أن تكون القوات تحت قيادة الأمم المتحدة، ولكن التدخل انتهى بالفشل رغم أن مجلس الأمن أَجمع في عام 1993م على توسيع القرار رقم 814 بشأن حجم واختصاصات القوات الدولية، لتشمل سعي المنظمة لحل المشكلة السياسية، والاقتصادية في الصومال، ولكن عدم تعاون الفصائل مع الأمم المتحدة وقلة إمكانياتها أدى إلى فشل التدخل وإنهاء مهمة القوات([39]).
ولم تحل القضية إلا بفضل التدخل السلمي الأمريكي، حتى أعلن بل كلينتون عام 1995م، التوصل إلى اتفاق سلام شامل، واستقلال البوسنة والهرسك.
ثانياً: تدخل المنظمات الإقليمية عسكرياً لأجل الديمقراطية بعد الحرب الباردة:
أتخذ التدخل الإنساني والديمقراطي بعد الحرب الباردة طابعاً جماعياً عبر المنظمات الإقليمية أو تحت الإقليمية أو الجماعية من الدول وتطورت النظرية ورحب مجلس الأمن بتدخلات إقليمية حتى قيل بأن مجلس الأمن يتغاضى عن شرط الإذن الوارد في الميثاق، والمقرر على المنظمات الإقليمية، وأهمها:
1) تدخل المجموعة الاقتصادية Ecowas في إفريقيا:
حيث قامت بتدخلين عسكريين في بادرة جديدة، رغم أن نيجيريا كان لها الدور الأكبر وهما في ليبيريا، وجمهورية سيراليون.
أ‌- التدخل في ليبيريا عام 1991م:
أدت الانقلابات العسكرية والفوضى السياسية في ليبيريا إلى حرب أهلية واسعة، وعصفت الحكومة بالمتمردين، فتدخلت الأمم المتحدة سلمياً، وتدخلت المجموعة عسكرياً([40])، عبر نيجيريا وغينيا وأرسلت قوات عسكرية لدعم الحكومة ضد المتمردين الذين يشكلون جبهتين ضد الحكومة، وأدى التدخل إلى زيادة الحرب، ثم تم التوصل إلى اتفاق يقضي بتنظيم انتخابات حرة، وتشكيل حكومة مؤقتة([41]).
وأصدر مجلس الأمن قراراً ذكر فيه بالفصل الثامن، وأثنى على جهود المنظمة وحظر توريد الأسلحة إلى ليبيريا، ثم أرسل قوات مراقبة للإشراف على تنظيم الانتخابات([42]).
2) تدخل المجموعة الاقتصادية في جمهورية سيراليون 1997م:
أدى الانقلاب الذي أطاح بالرئيس المنتخب عام 1996م، في سيراليون إلى النزاع المسلح بين القوات النيجرية التي تدخلت لإعادة الديمقراطية، وبين المتمردين الذين ارتكبوا انتهاكات سافرة، مما جعل مجلس الأمن يقرر حظر توريد الأسلحة لهم، وأدان الانقلاب في حين قررت منظمة الدول الأفريقية تفويض المجموعة الاقتصادية في إنهاء الانقلاب، فاستولت القوات النيجرية على العاصمة بدون إذن مجلس الأمن، بل بصفة انفرادية من نيجيريا صاحبة السجل الأسود في الديمقراطية في ظل رفض باقي دول المجموعة للهجوم، وأسفر التدخل عن فرار الانقلابيين وإعادة الرئيس المنتخب([43])، ورغم إدانة معظم الدول للتدخل إلا أن رئيس مجلس الأمن أصدر عدة بيانات أدان فيها الانقلاب، وهدد بأن المجلس على استعداد لاتخاذ تدابير ملائمة لإعادة الرئيس المنتخب، أما مجلس الأمن فقد قرر دعمه للمجموعة الاقتصادية لجهودها السلمية، وحظر توريد الأسلحة للانقلابيين، ولم يتعرض للتدخل العسكري وهو ما يوحى بتأييده له([44]).
3) تدخل حلف الناتو في كوسوفا 1998م:
يعد هذا التدخل أكبر عملية عسكرية بعد الحرب العالمية الثانية، وهو أول عملية يقوم بها الحلف خارج منطقة الدفاع المحددة لدول الحلف، وأثار مخاوف السياسيين والقانونيين، ويطرح هذا كمثال للتدخل الإنساني الإقليمي([45])، إلا أننا نربطه بالمبدأ الديمقراطي المتمثل في حق تقرير المصير.
فعندما أراد إقليم كوسوفا الاستقلال عن يوغوسلافيا بعد تفكك الاتحاد اليوغسلافي، وبسبب ارتكاب الصرب مجازر ومذابح ضد المسلمين، تم التدخل من جانب حلف الناتو، بعد أن قام سلوبدان ميلوسوفتش بإلقاء نظام الحكم الذاتي للإقليم المفروض من بداية نشأة الاتحاد عام 1947م، ومنع استخدام اللغة الألبانية([46])، فتوصلت أمريكا والإتحاد الأوروبي إلى تسوية سلمية تقتضي بإعادة الحكم الذاتي للإقليم في إطار جمهورية صربيا، ولكن الرئيس اليوغسلافي رفضها، ففرض حلف الناتو التدخل كأمر واقع على مجلس الأمن، وقام بعمليات عسكرية شرسة استمرت 79 يوماً، تحت مبرر تنفيذ التسوية السياسية التي قررها مجلس الأمن، وارتكب الحلف والصرب انتهاكات سافرة لحقوق الإنسان وخاصة المدنيين والأهداف المدنية بسبب الغارات الجوية للحلف([47]).
وتحول الحلف من حلف دفاعي إلى حلف هجومي، وأصبحت أمريكا تنظر إليه إلى انه الأداة المفضلة للخروج على القواعد الدولية، وما زال الإقليم يتمتع بالحكم الذاتي كجزء من جمهورية صربيا، ويخضع للحسابات المعقدة في الوقت الذي تصطدم فيه الحلول العملية باستقلال الإقليم أو تقسيمه مع المبادئ الدولية([48]).
ثالثا: التدخل العسكري الانفرادي لأجل الديمقراطية بعد الحرب الباردة:
تراجع التدخل العسكري الانفرادي بعد الحرب الباردة، وحل محله التدخل الجماعي، أ و شبه الإقليمي، ولم نرصد سوى التدخل الأمريكي في العراق عام 2003م، وهذا الغزو كان خارج التنظيم العالمي والإقليمي، ويعد انتهاكاً للقواعد الدولية، بالرغم من كثرة المبررات التي طرحها الغزو أهمها نزع أسلحة الدمار الشامل، وتهديد السلم الدولي([49]).
ولكن المبرر الديمقراطي بدا وكأنه المبرر الأساسي في نظر الدولتين أمريكا وبريطانيا، حيث أعلنت الإدارة الأمريكية قبل الغزو بشهور بأن الإطاحة بنظام صدام الدكتاتوري واستبداله بنظام ديمقراطي هو أحد أهدافها([50])، وأعلن رئيس الوزراء البريطاني أن من حق المجتمع الدولي التدخل لحماية الشعوب المهددة التي فشلت في معالجة الأوضاع الداخلية والدولية، وأنه حتى لو لم يتم العثور على أسلحة الدمار الشامل، فإن التاريخ سيغفر لمن قام بالتدخل، لأنهم خلصوا الشعب من أحد أسوأ الأنظمة القمعية([51]).
ورغم عدم شرعية الغزو، وعدم وجود أسلحة الدمار الشامل، فإن أمريكا وبريطانيا ظلتا تطرحان ذريعة الديمقراطية وحقوق الإنسان كمبرر، ولكن يتضح للجميع أن الغزو لم يهدف إلى حماية حقوق الإنسان، ولم يخدم الديمقراطية، لا من قريب ولا من بعيد، بقدر ما كان يهدف أساساً إلى تحقيق مصالح إستراتيجية.
المبحث الثاني
مشروعية التدخل العسكري لأجل الديمقراطية

هذه المسألة من أدق موضوعات القانون الدولي وأكثرها جدلاً في الوقت الحاضر، لأنها تتعلق بقاعدة حضر استخدام القوة، وعلاقتها بوظيفة الأمم المتحدة، فالدول الغربية وأمريكا تبشر بوجود نظريتي التدخل الإنساني والديمقراطي خاصة بعد الحرب الباردة، وهو ما يثير التناقض والتهاتر في التنظيم الدولي المحكوم بالهيمنة، وسعي الدول والمنظمات الإقليمية إلى توسيع تدخلاتها العسكرية بذرائع مختلفة، ولو على حساب القواعد الآمرة.
وقد جزم قبلنا بعض الفقه بعدم مشروعية التدخل العسكري لأجل الديمقراطية([52])، ولكن لنا تفصيل في ذلك([53])، وسوف نتناوله وفقاً لآراء الفقه والقواعد الدولية، وتتبع الممارسة وتقييمها والقضاء الدولي، كما أن المشروعية عند توافرها، ينبغي النظر إلى نتائج التدخل والتنبؤ بها قبل البدء بالتدخل، خاصة عند فرض الديمقراطية، في المناطق الساخنة، وذلك في ثلاثة مطالب:

المطلب الأول
تدخل الأمم المتحدة لأجل الديمقراطية

يتفق الفقه على مشروعية تدخل الأمم المتحدة عسكرياً لحفظ السلم وفي إطار التدخل الإنساني([54])، ولكننا نفرق بين تدخلها لحماية الديمقراطية، وفرضها:
أولاً: تدخل الأمم المتحدة عسكرياً لحماية الديمقراطية:-
ومعنى حماية الديمقراطية أن الديمقراطية لم تستطع ممارسة سلطاتها بسب إلغاء الحاكم لنتائجها، أو أن الديمقراطية الموجودة أو الناشئة تعرضت لانقلاب عسكري أطاح بها، أو لثوار غير ديمقراطيين يريدون الإطاحة بها([55])، ومقتضى الحماية أن يتم التدخل لتسليمها السلطة أو الإطاحة بالانقلابيين أو سحق الثوار.
1- موقف الفقه: اختلف الفقه في ذلك إلى مؤيد وهم الغالبية، ومعارض وهم الأقلية:-
فالفقه المعارض: يرى بعدم مشروعية تدخلا الأمم المتحدة عسكرياً لحماية الديمقراطية، إلا في حالة تهديد السلم الدولي بمعناه الوارد في المادة 39 من الميثاق (العدوان، والإخلال بالسلم، وتهديد السلم)، وبمعنى أن إلغاء النتائج أو الانقلاب قد أدى إلى تهديد السلم، خاصة عند الأضرار بدول الجوار، فعندها يكون التدخل واجباً على مجلس الأمن وفق نظام الأمن الجماعي وضوابطه([56])، ومن أنصار هذا الرأي (Heakin, Franck Chesterman) ويستند Franck إلى انه بالرغم من أن الديمقراطية ستصبح وحدها مصدر شرعية أي نظام حاكم، مما يعد مؤشراً على قيام حق قانوني جديد هو الحق في إقامة نظام ديمقراطي، الذي أضحى قابلاً للتطبيق على كل الدول، خاصة أن الإعلان العالمي نص عليها، لكن ذلك يجب أن يتم بالوسائل السلمية وعلى الدول والمنظمات احترام قاعدة حظر استخدام القوة، ولا يجوز للأمم المتحدة التدخل إلا إذا ارتقى الوضع السياسي إلى تهديد السلم الدولي وبإجراءات نظام الأمن الجماعي([57])، كما أن التدخل لحقوق الإنسان والديمقراطية يجب ألا يعارض القواعد الآمرة، كحضر استخدام القوة، ومبدأ السيادة وعدم التدخل فالمادة 2/7 من الميثاق لا تجيز التدخل للأمم إلا في إطار الفصل السابع، خاصة مع قلة إمكانيات الأمم المتحدة التي لا تفي بمهمتها الرئيسية([58])، كما أن الميثاق ذو نزعة حيادية بين النظم الديمقراطية وغير الديمقراطية، فكلاهما لا يجيز له الميثاق التدخل الأيدلوجي، وإلا لعمت الفوضى([59]).
أما الفقه المؤيد لمشروعية تدخل الأمم المتحدة عسكرياً لحماية الديمقراطية، فيستند إلى الطبيعة الدولية للديمقراطية([60])، وإلى سلطة مجلس الأمن الواسعة في تقدير حالة تهديد السلم، خاصة مع تطور مفهوم السلم الدولي الذي أصبح يتكون من مجموعة من العناصر الأمنية والسياسية والإنسانية، خاصة أن الأنظمة الدكتاتورية غالباً ما تهدد السلم الدولي، واعتبر المجلس بعض حالات القضاء على الديمقراطية تهدد السلم كما في هاييتي وسيراليون وليبيريا([61])، خاصة مع المتغيرات الدولية في قانون حقوق الإنسان والديمقراطية، فقد أصبح مجلس الأمن يرى بأن الانقلاب على الديمقراطية يهدد السلم ويلغي إرادة الشعب.
2-الممارسة الدولية:
لم تتدخل الأمم المتحدة لحماية الديمقراطية إلا في هاييتي 1994م، كما أنها تدخلت عبر الجزاءات ضد بعض الانقلابات، ورغم انتقاد ممارسة هاييتي حيث أن المجلس اعتبر أن عدم الوفاء بالاتفاق السياسي، ولجوء حوالي 200 شخص إلى أمريكا، وضع مهدد للسلم الدولي، وهو تجاوز لهذا المفهوم، ولكننا أكدنا مشروعية التدخل في هاييتي ولا يعد سابقة في نظرنا بل هو قيام بواجب قانوني، ولكننا نرى أن يتم ذلك وفقاً لضوابط نظام الأمن الجماعي، وضوابط التدخل الإنساني (التطبيق المزدوج)، وهو ما تجلى في هاييتي حيث أن المجلس اشترط أن يتم التدخل عبر قوات متعددة الجنسية، لكي يكون التدخل صافياً، وهو شرط لا يتطلبه نظام الأمن الجماعي، ونحن نرى بمشروعية تدخل الأمم المتحدة لحماية الديمقراطية، بشرط التطبيق المزدوج وهو ما يتفق مع الاختصاص الحمائي للأمم المتحدة مع ضرورة الفصل بين المشروعية والملائمة أي توقع نتائج التدخل.
ثانياً: تدخل الأمم المتحدة لفرض الديمقراطية:
ومعنى فرض الديمقراطية بنائها وإنشائها من حيث لم تكن موجودة، إما بالإطاحة بالنظام الديكتاتوري، أو بالمغتصبين للسلطة بعد رحيل الاستعمار (بدون انتخابات مباشرة أو غير مباشرة).
وهذا التدخل خطير وصعب، لأنه يستهدف أولاً الإطاحة بالنظام الديكتاتوري أو المغتصب للسلطة ويهدف ثانياً إلى "بناء الديمقراطية" عبر المرتكزات الأساسية (انتخابات رئاسية، برلمانية، وبناء المؤسسات، ....)، والهدف الثاني يتوقف أساسا على ثقافة الشعب وظروفه الاقتصادية والاجتماعية والأمنية، كما أن هذا التدخل برأينا يقتضي دمقرط معظم دول العالم([62])، وهو ما يؤكد أن هذه الحالة تختلف عن حالة حماية الديمقراطية، من حيث الهدف، ومراحل التدخل ، والمشروعية، ويجب مراعاة قوة الدكتاتور ، وثقافة الشعب، رغم أن الفقه لا يفرق بين الحالتين.
وبالتالي فإن التدخل هنا أقل قبولاً من الحالة الأولى، ومن ناحية أخرى تبدو أكثر قوة، وزيادة على ذلك فإن هذا التدخل لا يتفق مع الهدف الأساسي من إنشاء المنظمة وهو (حفظ السلم الدولي) ويستحيل أن تقوم الأمم المتحدة بالإطاحة بالديكتاتورية التي تشكل حوالي (80) دولة([63]).
ولكننا نؤكد أن على الأمم المتحدة تهيئة العالم للديمقراطية بدءا بالوسائل السلمية والتشجيعية، ولا نتفق مع رأي بعض الفقه القائل بأن الوحيد الذي يمكنه أن يقتص من الطاغية هو الشعب([64])، نظراً لتطور الأسرة الدولية وحقوق الإنسان.
ومن ناحية أخرى يبدو هذا التدخل مقبولاً وقانونياً بسبب تأكيد الأمم المتحدة مراراً بأن انتهاك الحقوق الديمقراطية يعد تمييزاً عنصرياً سياسياً، والتمييز العنصري دائماً يهدد السلم الدولي([65])، وهو ما يبرر تدخل الأمم المتحدة عسكرياً، للإطاحة بالنظام الديكتاتوري العنصري، وهو جزء من مهمة مجلس الأمن الأساسية، خاصة إذا ارتكب الديكتاتور انتهاكات، أو إذا وجدت قوات مسلحة تطالب بالديمقراطية.
ويؤكد البعض أن هذا التدخل غير مشروع إطلاقا، لتعارضه وقواعد القانون الدولي الجديد، ومبادئه، كما أن يقوم على التناقض في المفهوم، فالديمقراطية حسب التعريف تقوم على حرية الاختيار، فإذا فرضت فرضاً على الشعوب فليست بديمقراطية بل (فاشية مستترة)([66]).
الممارسة الدولية:
نجحت الأمم المتحدة في تاريخها، عبر التدخل العسكري لفرض الديمقراطية في حالة واحدة فقط هي جنوب روديسيا عام 1965م([67])، وتطوراتها الأخيرة التي أثبتت أن رئيسيها ما زال في السلطة لمدة ثلاثين عاماً، وهو ما يعني أن الانتخابات غير حرة أو أن أمريكا تريد فرض مده محددة لولاية رئيس الجمهورية.
وبالمقابل تدخلت الأمم المتحدة عسكرياً، وطرحت المبرر الديمقراطي كمبرر ثانوي، في الصومال ولكنها فشلت حيث وجدت نفسها أمام ضرورة نزع سلاح الفصائل الصومالية، وحفظ الأمن الداخلي، في ظل عدم قبول الشعب الصومالي بالتدخل([68])، وكذلك ساهمت الأمم المتحدة في الغزو الأمريكي للعراق عام 2003م، بإصدار مجلس الأمن قراره رقم(1441) الذي يعد سابقة خطيرة كونه تضمن إكراه العراق على الاعتراف بأنه انتهك القرارات السابقة، وهدده باستخدام القوة، وأجاز تفتيش القصور الرئاسية دون إنذار والتحقيق مع أي عالم عراقي([69])، وساهمت لاحقاً في تدهور أوضاع العراق بالرغم من الانتخابات في العراق، إلا أن الغزو سبب الفوضى الأمنية والتقسيم الثلاثي في سبيل مصلحة أمريكا واسرائيل من البترول، وها هي تسوق الذرائع تجاه سوريا وإيران متخذة العراق قاعدة عسكرية تهدد منه الشرق الأوسط كله([70]).
وتدخلت في أفغانستان، حيث أعطت الأمم المتحدة لأمريكا الإذن بالدفاع الشرعي الواسع، وكان عليها بناء الديمقراطية هناك ولم تتخذ الأمم المتحدة أي معالجات لتلك الأزمة المستمرة منذ 2001م.
وبناء على ما تقدم نخلص إلى الآتي:
1) إجماع الفقه على مشروعية تدخل الأمم المتحدة والمنظمات الدولية (إنسانيا)، لا يسري على تدخل الأمم المتحدة عسكرياً لأجل الديمقراطية، لوجود فارق أساسي بين النظريتين يتمثل في النتيجة والهدف، فالتدخل الإنساني يهدف أساساً إلى وقف الانتهاكات السافرة التي قد تحصل حتى من نظام ديمقراطي، بينما يهدف التدخل لأجل الديمقراطية إلى حماية الديمقراطية أو فرضها وهو ما يشير إلى اختلاف الوسائل والمتطلبات، أضف إلى ذلك أن التدخل الديمقراطي يعتمد على ظروف شعب الدولة ومدى تقبله بالديمقراطية كثقافة، وضرورة ينصهر فيها الجميع، وخاصة عند فرض الديمقراطية التي قد تستدعي نزع السلاح وأشياء أخرى، كما أن الشعوب التي يسودها التطرف الديني، وثقافة الرفض لأي دعوة خارجية والوهم بأن أمريكا تسعى دائماً إلى ما يسمى بـ"نظرية المؤامرة"، يكون التدخل غير مقبول شعبياً.
2) تدخل الأمم المتحدة يعد مشروعاً في نظر كافة الفقه أو معظمه في الحالات الآتية:
‌أ- حالة حماية الديمقراطية.
‌ب- دعوة الحكومة المنتخبة.
‌ج- تهديد السلم الدولي.
‌د- اقتران الدكتاتورية بالتمييز العنصري خاصة الممنهج.
‌ه- وجود انتهاكات سافرة وواسعة النطاق.
أما التدخل لفرض الديمقراطية نرى بعدم مشروعيته من جانب الأمم المتحدة إلا في حالات خاصة كإنهاء الاستعمار، وتأجج الوضع الداخلي على نحو يهدد دول الجوار.
وبالرغم من تزايد الدعوات إلى تدخل الأمم المتحدة لأجل الديمقراطية، إلا أنها عاجزة عنه، لذلك رغب الفقه ورحبت الأمم المتحدة بتدخل المنظمات الإقليمية لأجل الديمقراطية، وهذا ما سنتناوله في المطلب الثاني.
المطلب الثاني
مشروعية تدخل المنظمات الإقليمية عسكرياً لأجل الديمقراطية

بسبب نواقص الأمم المتحدة يفضل الفقه المؤيد للتدخل الديمقراطي، تدخل المنظمات الإقليمية لأجل الديمقراطية([71])، ولكن هذه المنظمات سعت بعد الحرب الباردة إلى التدخل العسكري، لنشر أيدلوجيتها، مستغلة نصوص الميثاق التي أجازت لها الدفاع الشرعي الجماعي م(51) وأشركتها في نظام الأمن الجماعي، حتى أن الأحلاف العسكرية بدأت تتداخل مع المنظمات الإقليمية([72]).
ولكننا نستخلص أن مشروعية تدخل المنظمات عسكرياً لأجل الديمقراطية، تختلف حسبما إذا كان التدخل يهدف إلى حماية الديمقراطية أو إلى فرضها كالآتي:
أولاً : مشروعية التدخل لحماية الديمقراطية:
أحدثت الحرب العالمية الثانية تغييرات جوهرية، حيث ترتب على اندلاعها ظهور نمط جديد من التحالفات الدولية لم يكن من المتصور إمكانية حدوثه من قبل([73])، ولكن ثمة فارق بين المنظمات الإقليمية والأحلاف العسكرية، فالأولى مشروعة بالإجماع في إطار الأمن الجماعي بإذن مجلس الأمن، والثانية تقوم أصلاً بالدفاع الشرعي الجماعي حسب المادة (51) وهو عمل مؤقت بدون اذن مجلس الأمن، ولكن بشرط إخطاره، وبعد الحرب الباردة سعت الأحلاف العسكرية إلى توسيع اختصاصها لتشمل الأهداف السياسية والأيدلوجية، ومنها التدخل من أجل الديمقراطية، وسوف نتناول العلاقة الوظيفية بين المنظمات الإقليمية والأمم المتحدة، ومشروعية التدخل الديمقراطي في مواثيق أهم المنظمات الإقليمية، ومدى توافقها والأمم المتحدة، وتقييم الممارسات، وخلاصة المطلب، كالآتي:
أ) العلاقة الوظيفية بين المنظمات الإقليمية والأمم المتحدة (العامة والخاصة المتعلقة بالتدخل الديمقراطي).
- العلاقة العامة: يتفق الفقه إجمالاً، على أن وظيفة الأمم المتحدة والمنظمات الإقليمية واحدة، وهي حفظ السلم الدولي، ولكنها تختلف من حيث الجغرافيا والأصالة، والسياسة فالعالمية والأصالة نصيب الأمم المتحدة([74]). على أن يتم ذلك في ضوء الأحكام التي قررها الميثاق الذي أجاز إنشاء المنظمات الإقليمية لكي تساهم في تطبيق مبادئ الميثاق، وتقوم بتسوية المنازعات قبل أن تحال إلى مجلس الأمن، وأشركها الميثاق في حفظ السلم الدولي بشرط الإذن منه، م(52)، ويتضح أن مجلس الأمن هو صاحب السلطة الأصلية باستخدام القوة سواءً في نظرية حفظ السلم أو الدفاع الشرعي، وله سلطة الإشراف والمراقبة، كما يشترط في جميع الأحوال أن لا تتعارض المنظمات مع مبادئ الميثاق التي تسمو على أي وثيقة دولية م(103) ([75]).
العلاقة الخاصة بالتدخل الديمقراطي:-
نرى بأن الأساس القانوني لتدخل المنظمات الإقليمية عسكرياً، لحماية الديمقراطية هو المفهوم الواسع لحفظ السلم الدولي، خاصة أن مجلس الأمن أكد أن الديمقراطية شرط لحفظ السلم الدولي([76])، كما أن الميثاق لا يفرق بين السلم الإقليمي والدولي (فالكل للواحد، والواحد للكل)، ولكن النسبية موجودة فمنظمة الدول الأمريكية تنص على أن الديمقراطية في القارة الأمريكية شرط لحفظ السلم الإقليمي([77])، في حين أن دول آسيا وأفريقيا محكومة بأنظمة دكتاتورية غالباً، وتظهر العلاقة في حالة حماية الديمقراطية في المناطق الديمقراطية.
ب) مشروعية تدخل المنظمات الإقليمية في مواثيقها:-
أهم المنظمات التي تدعي اختصاصها بالتدخل العسكري لحماية الديمقراطية هي منظمة الدول الأمريكية، ومنظمة دول الكاريبي، والمجموعة الاقتصادية الإفريقية.
فمنظمة الدول الأمريكية: كان ميثاقها الأساسي ينص على مبدأ عدم التدخل، ولا يجيز استخدام القوة إلا في حالتين هما الأزمة الداخلية والحرب الأهلية، فضلاً عن الهجوم المسلح([78])، ولكن قرارات وتصريحات المنظمة اللاحقة وخاصة إعلان Caracas 1994 وإعلان Puntedel este لعام1962م، الصادرين عن المنظمة، تنص على مشروعية التدخل العسكري وفق تفسيرات ثلاثة: الأول أن الإعلانات تنص على مشروعية التدخل لمنع قيام حكومة شيوعية في المنطقة بشرطين أن يكون مصدر الخطر الشيوعي من خارج الدول الأمريكية وليس من نشاط أهالي أو استفتاء شعبي داخلي، وان يمارس التدخل عبر المنظمة([79])، والرأي الثاني يقرر أنه لا يجوز للمنظمة إرسال قوات لمكافحة المد الشيوعي، والثالث يرى أن الإعلانات لا تعطي المنظمة سوى اتخاذ تدابير في حدود إقليمها فقط لموجهة المد الشيوعي في المنطقة([80]).
- أما منظمة دول شرق الكاريبي، فينص ميثاقها 1981م على حق رؤسائها تبني سياسات مشتركة في الدفاع والأمن([81])، ولما تدخلت المنظمة في الغزو الأمريكي لغرينادا، والتي تعد عضواً في منظمة الدول الأمريكية، طلبت منظمة الكاريبي المساعدة من أمريكا، التي لبت الدعوة وتدخلت عسكرياً ضد زعماء الانقلاب الذين اتهمتهم أمريكا بأنهم شيوعيون، ثار جدل حول مشروعية استخدام القوة في ميثاق المنظمة، كما أن أمريكا أجابت الدعوة بدون إذن مجلس الأمن، فتكون قد خلطت بين الوسائل السليمة م(52) من الميثاق والتي لا تشترط إذن مجلس الأمن، وبين أعمال القمع الخاضعة للمادة (53) والتي تشترط إذن مجلس الأمن للمنظمات([82]).
- أما ميثاق المجموعة الاقتصادية فهو كذلك يثير الجدل فالبعض يرى أن ميثاقها لا يخولها أي سلطة عسكرية بل تدابير اقتصادية، ولكن مندوب ساحل العاج زعم عند تدخل المجموعة في ليبيريا وسيراليون أن المجموعة أبرمت بروتوكول دفاع أمني عام 1981م يخولها التدخل في حالتي العدوان الخارجي، والنزاع الداخلي الذي يديره ويدعمه طرف خارجي([83]).
ونرى ضرورة تطبيق مبادئ الميثاق ولكنها تثير تفسيرات مختلفة مما يجعل مشروعية تدخل المنظمات تتوقف على الموازنة بين مبادئ الميثاق التي ترفض التدخل وهي حظر استخدام القوة، والسيادة، وعدم التدخل، وحق الدول في اختيار نظمها السياسية، وبين مبادئ الميثاق التي تفسر بمشروعية، وهي مبدأ إشراك المنظمات في السلم الدولي، والتفسير الضيق لقاعدة حظر استخدام القوة.
ثم تأكد دور المنظمات بصورة أجلى بقيام منظومة الدول الأوروبية وبعض الدول الكبرى بإبرام أربع اتفاقيات مهمة هي معاهدة باريس في 1990م، واتفاقية برلين في 1991م، وقمة هلسنكي في 1992م، وأخيراً وثيقة موسكو الصادرة عن منظمة الأمن والتعاون الأوروبي في 1991م، وكلها روافد دفعت إلى الأمام بدور المنظمات الإقليمية في هذا الميدان.
جـ) تقييم ممارسة تدخل المنظمات في حماية الديمقراطية:
عندما تدخلت أمريكا لحماية الديمقراطية التي ألغى نتائجها نورييغا في بنما 1989م، أدانت منظمة الدول الأمريكية هذا التدخل، رغم أننا نرى مشروعيته، وبالمقابل عندما تدخلت أمريكا في الدومنيكان 1965ن، شاركت المنظمة بتوفير غطاء يتمثل في إرسال قوات لاحقة، والفارق في نظرنا أن المد الشيوعي كان متوافراً في الدومينيكان بعكس نورييغا الذي لم يكن شيوعياً، وإنما ديكتاتورياً. ونرى بأن التدخلين الصادقين لحماية الديمقراطية هما تدخل المجموعة الاقتصادية في ليبيريا وسيراليون، لأنه كان ديمقراطياً وفور انقلابات أطاحت بديمقراطية ناشئة، خاصة إذا طلب ذلك الرئيس المنتخب أو رحب به الشعب، كما أن مجلس الأمن أجاز هذين التدخلين بأثر رجعي، بل رحب بهما رغم عدم صدور إذن منه عملاً بالمادة (52)، مما اعتبره البعض دليلاً على تغيير وتطور قواعد القانون الدولي تغييراً جوهرياً([84]).
وبناءً على ما تقدم نخلص إلى الآتي:
1) مشروعية التدخل العسكري لحماية الديمقراطية، من قبل المنظمات الإقليمية، رغم معارضة بعض الفقه، ويصاحب هذه النتيجة سؤال هل يشترط إذن مجلس الأمن؟
2) من خلال الممارسات ظهرت قاعدة جديدة مفادها "جواز تدخل المنظمات عسكرياً لحماية الديمقراطية، ولو بدون إذن مجلس الأمن، بشرط أن يكون في منطقة اختصاص المنظمة الإقليمية وخاصة إذا طلبت الحكومة المنتخبة"، ولكن الأمر مختلف تماماً في تدخل المنظمات لفرض الديمقراطية.
ثانياً ـ مشروعية تدخل المنظمات الإقليمية عسكرياً لفرض الديمقراطية:-
كما أسلفنا فإن التدخل العسكري لفرض الديمقراطية يبدو غير مقبول من معظم الفقه والدول، لأنه يصطدم بمبادئ القانون الدولي، ويتطلب توافر إمكانات ضخمة، وقبل ذلك يتطلب تقبل الشعب للديمقراطية كمنهج سياسي يحتكم إليه الجميع، وتزداد عدم مشروعية هذا التدخل إذا كان من قبل المنظمات الإقليمية والدول بمفردها، إذ أن الدعوات الدولية لبناء الديمقراطية لا تعني الخروج على أساس التنظيم الدولي، ويجب أن تتم بالوسائل غير العسكرية، ولكن أمريكا تسعى إلى استخدام المنظمات الإقليمية للتدخل بذريعة "فرض الديمقراطية" لتحقيق مصالحها، وتستخدم لذلك منظمة الدول الأمريكية، ولكنا بعد الحرب الباردة استخدمت العصا السهلة وهي "حلف الناتو".
- موقف القضاء الدولي من هذا التدخل:
خلصت محكمة العدل الدولية، في حكمها الشهير بخصوص التدخل الأمريكي في نيكاراغوا عام 1984م تحت ذريعة منظمة الدول الأمريكية، إلى جملة من المبادئ الأساسية التي تؤكد عدم مشروعية التدخل العسكري لغرض الديمقراطية، حيث خلصت إلى أن :" تعهد حكومة نيكاراغوا بإجراء إصلاحات سياسية وانتخابات حرة للمنظمة، هو مجرد تعهد سياسي وليس التزاماً قانونياً" وحتى لو افترضنا جدلاً أنه التزام قانوني، فإن ذلك لا يبرر إصرار أمريكا على إنفاذ هذا الالتزام الذي تعهدت به نيكاراغوا للمنظمة، وليس لأمريكا وحدها، وعليه فإن للمنظمة وحدها سلطة الرقابة، ولا تجد المحكمة أساسا قانونياً لتدخل أمريكا بالأنشطة العسكرية وغير العسكرية، وحتى لو كانت أمريكا تنوب عن المنظمة، فإن أمريكا لا تملك استخدام أساليب لا يحق للمنظمة ذاتها أن تستخدمها، ولا تقبل المحكمة استخدام القوة في هذه الحالة واستهجنت المحكمة تحقيقات الكونجرس، وقررت بأن اتباع أي نظام سياسي لا يشكل انتهاكاً للقانون الدولي العرفي، ولا يغير ذلك من مفهوم السيادة، وحتى لو اتجهت نيكاراغوا إلى النظام الديكتاتوري المطلق فإن ذلك لا يبرر استخدام الأنشطة العسكرية، وقررت عدم وجود قاعدة تجيز التدخل الأيدلوجي وذكرت أمريكا بإعلان هلسنكي وقرار الجمعية العامة لخاص بمبادئ العلاقات الدولية خاصة حضر القوة، وعدم التدخل، خاصة أن أمريكا ساهمت في إخراج هذه الوثائق([85]).
ولكن القاضي Schwebel ذهب في رأيه المعارض إلى أنه يحق لأية دولة أو جهة خارجية تقديم الدعم المعنوي والسياسي والإنساني، لشعب يناضل من أجل حق تقرير المصير، والعكس صحيح([86]).
وتعليقنا على الحكم هو أن الحكم أكد عدم مشروعية التدخل العسكري الأيدلوجي لغرض الديمقراطية، وهو إشارة إلى إبطال مبدأ ريفان الأمريكي، ومبدأ بربجينيف الروسي، كما أن المواثيق الإقليمية يجب أن لا تمس قواعد الميثاق، لأنها ليست من مصادر القانون الدولي المباشرة، ولكن الحكم يبدو أنه يجيز تدخل المنظمات الإقليمية بالوسائل غير العسكرية، لأجل الديمقراطية، ونرى بأن الحكم أخطأ في بيان طبيعة المبادئ الديمقراطية، التي أصبحت جزء من حقوق الإنسان، ويجب أن يفسر الحكم في إطار سببه، ونرى بأنه لم يتكلم عن كل أنواع التدخل الديمقراطي.
ـ تقييم الممارسات والدور المخيف للناتو:-
تدخل حلف الناتو في كوسوفا، استناداً إلى التغييرات التي طرأت على أهداف الحلف، وأهمها دعم الديمقراطية، وكفالة الاستقلال عن الأنظمة الاشتراكية، خاصة إذا وجدت انتهاكات سافرة، وترتب على تدخل الحلف إنشاء روابط بينه وبين منظمة التعاون الأوروبية، ووسع نطاق عمل الحلف ليكون عالمياً، وهجومياً وروج التدخل لما يسمى بـ" تغيير سيادة الدولة"([87])، وأصبح الحلف يتدخل بدون إذن مجلس الأمن وهو ما بدى اليوم في مشكلة جورجيا مع روسيا.
المطلب الثالث
مشروعية تدخل الدول عسكرياً لأجل الديمقراطية

من خلال عرض مشروعية تدخل الأمم المتحدة والمنظمات الإقليمية، لأجل الديمقراطية، يتأكد لنا عدم مشروعية تدخل الدول فرادى لأجل الديمقراطية أو فرضها، كقاعدة عامة. خاصة أن أمريكا قامت بعدة تدخلات بعد الحرب الباردة بهذه الذريعة، ولكنها كانت شعارً للاستعمار.
ولكن بعض الفقه لا يزال يجادل في مشروعية تدخل الدول لأجل الديمقراطية، في حين يعارض معظم الفقهاء هذا التدخل وتفصيل ذلك أن الرأي الأول يذهب إلى جواز التدخل لأجل الديمقراطية، من الدول فرادى أو مجتمعة، مع الخلاف حول متى يجوز التدخل وطبيعته.
فالبعض يرى بأن الأصل عدم شرعية التدخل العسكري لإقامة أو حماية نظام ديمقراطي أو ارستقراطي أو شيوعي، ولكن قانون حقوق الإنسان يجيز لأجل الديمقراطية كاستثناء، إذا اقترنت الأنظمة الدكتاتورية بالفساد والانحراف والقمع، فعند ذلك يجوز التدخل من الناحية الأخلاقية والقانونية.
في حين يرى البعض أن ميثاق الأمم المتحدة يجيزه التدخل العسكري في حالتين وفقاً للمادة 2/4 وهما حالة وجود متمردين لهم توجه ديمقراطي يحاربون النظام القمعي، وحالة التدخل المضاد، لتدخل عسكري آخر([88]).
ويستند أنصار هذا الرأي إلى مفهوم حفظ السلم كون الدول الديمقراطية لم تدخل في حرب فيما بينها أبدا، كما أنه يتفق مع التفسير الضيق لقاعدة حظر استخدام القوة، وهو الوسيلة الوحيدة لإنقاذ الأبرياء، وتمكين الإنسان من ممارسة الحقوق السياسية، كما أنه يفضل على الجزاءات الاقتصادية التي تعد ذات أثر تدميري([89]).
الرأي الثاني: يرى معظم الفقه، وبعض أعضاء مجلس الأمن، بأن التدخل لحماية الديمقراطية أو فرضها، عمل غير مشروع في القانون الدولي، في كافة الظروف والأحوال، كونه يخالف القاعدة الآمرة 2/4 التي تعد أساس التنظيم الدولي، ويعارض مبدأ السيادة، ومبدأ التدخل([90]).
كما أن هذا الفقه ينكر الإطار الداخلي لحق تقرير المصير، كما أن الممارسات المشبوهة للتدخل الديمقراطي أثبتت أنها تشكل جريمة في القانون الدولي المعاصر، فأمريكا أطاحت بحكومات منتخبة في اندونيسيا وإيران وشيلي وغواتيمالا، ونصبت بدلاً عنها حكومات قمعية([91]).
كما لا يوجد إجماع على مشروعية التدخل المضاد (Counter Intervention) وذلك بسبب اللبس في الحياة العملية، لأن أغلب الحكومات التي تقوم بقمع الثورات تدعي أنهم مجرمون في حين يؤكد المتمردون دائماً أن أهدافهم ديمقراطية، وبالتالي يصعب تبني معياراً لتقييم التوجه الأيدلوجي للحكومة أو الثوار([92])، كما لا يوجد اتفاق دولي على مفهوم الديمقراطية، فأمريكا لا يوجد أدنى تطابق بين الشعار والواقع الذي جعل كافة المصالح الأمريكية مركزة في يد حفنة من السياسيين والشركات الكبرى([93]).
تقييم السوابق:-
يلاحظ بعض الفقه بأن تدخل أمريكا في الدومينكان وغيرنادا، وبنما، والتي تطرح على أنها سوابق تدعم حق التدخل لأجل الديمقراطية، ليس لها أي شرعية لأسباب عديدة أهمها أن أمريكا وقتها لم تطرح مبرر الديمقراطية كأساس للتدخل ـ عدا بنما ـ وإنما كانت تستند إلى حماية الرعايا والدفاع الشرعي، ودعوة السلطات، كما أنها كانت بقصد محاربة المد الشيوعي خاصة بعد أزمة كوبا، وهي تدخلات من دولة واحدة، وفي منطقة جغرافية هي أمريكا الوسطى وحوض الكاريبي([94]).
ونتفق مع الفقه السابق، عدا التدخل في بنما فقد ذكرنا بأنه تدخل لأجل حماية الديمقراطية وهو مشروع لأنه وإن كان لأمريكا أهداف أخرى كمعاقبة نورييغا، ومصلحة قناة بنما، إلا أن تلك الأهداف ثانوية، لأن التدخل جاء بعد أن قام نوريغا بإلغاء نتائج الانتخابات، حينها تدخلت أمريكا فوراً بعد أن طلبت من الرئيس المنتخب أداء اليمين الدستورية.
ويمكن القول أن معظم التدخلات الفردية لاقت إدانة من المجتمع الدولي، عدا بعض التدخلات وهي تدخل فرسنا في إفريقيا الوسطى عام 199م، كون التدخل استوفى ضوابط التدخل الإنساني([95]).
كما أن التدخل الأمريكي البريطاني في العراق 2003م، والذي طرح فيه المبرر الديمقراطي، أثبت أنه ليس سوى شعار يخفي ورائه الاستعمار الذي تسعى إليه أمريكا، وقد أثبتت الوقائع عجز الأمم المتحدة والمجتمع الدولي عن معالجة الوضع المتردي في العراق.
والراجح عدم مشروعية التدخل الانفرادي لحماية وفرض الديمقراطية، إلا في حالات معينة بشرط استيفاء ضوابط التدخل الإنساني وهي:
1. حالة طلب الحكومة المنتخبة التدخل العسكري من دولة أخرى، وذلك استناداً إلى قواعد القانون الدولي العرفي.
2. إذا ارتكب النظام الديكتاتوري انتهاكات سافرة لحقوق الإنسان، على نحو يتطلب لمعالجتهما ضرورة التحول إلى الديمقراطية بشرط أن يتم تحت غطاء إقليمي أو أممي.
3. كما يجوز أن يأذن مجلس الأمم لدولة ما بالتدخل العسكري، كما أذنت لبريطانيا بالتدخل في جنوب روديسيا.
4. إذا أدى النظام الديكتاتوري إلى تفجر الوضع الداخلي، ورحب الشعب بالتدخل خاصة من دولة مجاورة وهو ما يمكن قبوله حتى من الناحية الأخلاقية.
الخاتمة:
عرض البحث لمسألة التدخل العسكري لأجل الديمقراطية، ومشروعيته في القانون الدولي، وخلص إلى نتائج أهمها:
1) في فترة الحرب الباردة لم توجد ممارسة حقيقية للتدخل العسكري لأجل الديمقراطية، إلا في حالة واحدة وهي تدخل مجلس الأمن في جنوب روديسيا "زمبابوي حاليا" 1979م ، عندما تدخل المجلس لفرض الديمقراطية بعد اغتصاب الأقلية البيضاء للسلطة، وحقق التدخل نتائجه المرجوة بتنظيم انتخابات حرة بإشراف دولي وإقليمي، وهذه الحالة فريدة ومشروعة حيث استوفى التدخل جميع شروطه الموضوعية والإجرائية.
2) بعد الحرب الباردة وجد تدخل واحد للأمم المتحدة، وتدخلين إقليميين، بحيث تعد هذه التدخلات مشروعة نسبياً، ونقصها بعض الشروط.
ففي هاييتي تدخل مجلس الأمن وأصدر قراراً يأذن فيه لكل الدول الأعضاء استخدام القوة العسكرية بشرط تشكيل قوة متعددة الجنسيات، وذلك بغرض الإطاحة بالانقلابيين الذين أطاحوا بأول رئيس منتخب، ولكن أمريكا سبقت وتدخلت بدون مقاومة شرسة، وتبعتها قوات أخرى، فانتقص شرط شكلي للتدخل.
أما تدخل المجموعة الاقتصادية الإفريقية في ليبيريا وسيراليون، لإعادة الرئيسين المنتخبين الذين أطاح بهما الانقلابيون، وحقق التدخل أثره المرجو، مع وجود انتقادين كبيرين للتدخل:
الأول عدم إذن مجلس الأمن ولكنه شكر التدخل ورحب به بصورة شبه واضحة، والثاني لم يتم التدخل عبر قوة جماعية لدول المنظمة، وإنما كانت نيجيريا ـ صاحبة السجل الأسود ـ تسبق المنظمة مع دول أخرى من المنظمة.
3) جميع التدخلات الأخرى بذريعة الديمقراطية، كالتدخل في العراق 1992، كانت تدخلات غير مشروعة، تهدف بالمقام الأول إلى تحقيق مصالح معينة، وتستخدم فقط "التدخل لأجل الديمقراطية" كذريعة ليس إلا.
4) يعد التدخل العسكري لأجل الديمقراطية مشروعاً ولا يؤدي إلى الانتقاص من سيادة الدولة، خاصة أن السيادة أصبحت للشعب بموجب الميثاق، بشرط انتفاء أي مصالح للدولة المتدخلة واستيفاء ضوابط نظام الأمن الجماعي والتدخل الإنساني، وأن تكون بإذن الأمم المتحدة أو إشرافها، هذا بالنسبة للتدخل لحماية الديمقراطية، وإعادتها، أما التدخل لغرض الديمقراطية فهو غير مقبول إلا في حالات معينة، كما فصله البحث.
5) الانقلابات العسكرية على الديمقراطية، وإلغاء نتائج الانتخابات الحرة والنزيهة أصبحت تهدد السلم الدولي، وتنتهك حقوق الإنسان، وتنتهك (أساس ميثاق الأمم المتحدة الذي يبدأ بعبارة "نحن شعوب الأمم المتحدة" )، وهو ما يوجب التدخل لأجل سيادة الشعب، وهو ما تأكد في الانقلاب الموريتاني على الرئيس المنتخب عام 2008م، الذي أدانه مجلس الأمن والمجتمع الدولي كافة، وهذه النتيجة يجب أن يتنبه لها السياسيون والعسكريون.
وبناءً عليه يوصي البحث بالآتي:
1) على الأمم المتحدة أن تضع ضوابط حقيقية للتدخل العسكري لأجل الديمقراطية، وذلك عبر آلية دولية، وشروط موضوعية وإجرائية، وعليها أن ترفض التدخل الانفرادي إلا بتكليف مجلس الأمن، كما أن تلك الضوابط يجب أن تشدد في حالة فرض الديمقراطية والتدخل لأجلها، وهو ما تبدي في الصومال والعراق.
2) إن بناء الديمقراطية يجب أن يتم أولاً عبر استخدام الوسائل غير العسكرية، والتشجيعية خاصة في دول العالم الثالث، التي هي بحاجة إلى الدعم الاقتصادي، والعلمي، والتكنولوجي، من الدول المتقدمة، وهو ما تأكد في العراق الذي فشلت فيه كل النظريات الدولية.
3) ينبغي على الأمم المتحدة القيام بالدور الوقائي للتدخل العسكري عبر توفير الحماية القانونية الدولية للديمقراطيات الناشئة والوليدة التي تتعرض للانقلابات وإلغاء نتائج الانتخابات، وأما بناء الديمقراطية فهو بحاجة إلى تعاون دولي شامل "غير عسكري".
4) ونوصي بأن أهم حماية قانونية دولية للديمقراطيات الناشئة، تتمثل في ضرورة تطوير مفهوم الجرائم الجنائية الدولية، بحيث تشمل جريمة الانقلاب العسكري على الديمقراطية، وجريمة إلغاء الديمقراطية (إلغاء نتائجها التي تمت بانتخابات حرة) وهو ما سيكون له الأثر الزاجر والوقائي، خاصة أن العالم أصبح مقتنعاً بذلك، وهو أكثر قبولاً خاصة أن الجرائم الدولية الحالية قليلة، فالقرصنة أقل خطورة من "إلغاء الانتخابات" والانقلاب على الديمقراطية.
([1]) انظر : د/ عماد الدين عطاء الله، التدخل الإنساني، دار النهضة العربية، القاهرة، 2004م، ص34.
([2]) أنواع التدخل العسكري في نظرنا ثلاثة: التدخل ضد الدكتاتورية، أو ضد المعارضة للحكومة الديمقراطية، أو التدخل المضاد، وهو التدخل من دولة ثالثة ضد دولة ثانية تدخلت في الدولة الأولى للإطاحة بالديمقراطية.
([3]) انظر:
- Reisman, W, M. Humanitation Intervention and fledgling Democra Cies, Fordham, J.L.J 1995, P, 795.
([4]) انظر : قرار الجمعية العامة رقم 1747 عام 1962م.
([5]) انظر: د/ محمد مصطفى يونس، النظرية العامة لعدم التدخل، دار النهضة العربية، 1995، ص963-965.
([6]) انظر: قرار مجلس الأمن رقم 217، 20 نوفمبر 1965م.
([7]) وتشمل تلك العقوبات حظر الأسلحة والبترول وكافة الواردات والصادرات عدا المواد الغذائية.
([8]) انظر: د/ محمد مصطفى يونس، النظرية العامة لعدم التدخل، مرجع سابق، ص960-970.
([9]) انظر: ريتشارد بارنت، حروب التدخل الأمريكي، ترجمة منعم النعماني، دار ابن خلدون، بيروت، 1974م، ص143.
([10]) انظر: د/ عماد الدين عطاء الله، التدخل الإنساني، مرجع سابق، ص75.
([11]) انظر:
- Mclaren, J.P.S THE Dominican Crisis, Aninter. American, Dilemma, t , Canadian, Y , B , I , L ,1966,182.
وبالتالي فإن القرار تحاشى الصمت ولم يصف أمريكا بالمعتدية، واتخذ في جلسة سرية لانتقاد معظم دول المنظمة له.
([12]) انظر:
- Fenwick, C,G, The Dominican Republic , Intervention or collective self. Defence, 60, American, J.I.L, 1966, P.64.
([13]) انظر: د/ عماد الدين، مرجع سابق، ص81.
([14]) وبررت أمريكا تدخلها على أساس انه استجابة لطلب حاكم غرينادا، وطلب المنظمة، وحماية الرعايا.
انظر:
- BECK, L, D, The LEGALTY of the united states Intervention in Grenada, 31, Netherlands, I , L , R, 1984, p369.
([15]) انظر: د/ عماد الدين عطاء الله، التدخل الإنساني، مرجع سابق، ص85.
([16]) انظر: قرار الجمعية العامة رقم 7/38، لعام 1983م.
([17]) انظر: د/ عماد الدين، المرجع السباق، ص131.
([18]) انظر: نفس المرجع، ص131-135.
([19]) انظر:
- Wauthier, C, Frances Year In Africa , 11, A.C. Records, 1987. P.191.
([20]) انظر:
- Sofaer, A.d, The Legality Of the united states Action in panama, 29, Columbia, p.285.
وهو يعارض مبدأ السيادة وعدم التدخل ، وحظر القوة.
([21]) انظر: د. عماد الدين عطاء الله، مرجع سابق، ص104-105.
([22]) انظر:
- Quigley, The Legality of the united states invasion of panama, 15, Yale, J.I.L, 1990, p.284.
وهو يعارض مبدأ السيادة وعدم التدخل وحظر القوة.
([23]) خاصة مع فشل الأمن الجماعي، واستناداً لحق تقرير المصير والتفسير الضيق للمادة 2/4. انظر:
- Nanda, V.P, op. cit, P.498.
([24]) انظر: د. عماد الدين عطا الله، التدخل الإنساني، مرجع سابق، ص545.
([25]) انظر:
- The Legitimacy of ahovernment depends on its respect for Individual Rights and on the consent The gove rnd, 1986, pp.21.
([26]) انظر: د. عماد الدين، المرجع السابق، ص540.
([27]) انظر: د. فهد الحارثي، أمريكا التي تعلمنا الديمقراطية والعدل، بيروت، 1998م، ص300.
([28]) انظر: د. حسام احمد هنداوي، التدخل الإنساني، مرجع سابق، ص201.
([29]) وهو أول تدخل عسكري للأمم المتحدة لإعادة الديمقراطية، ولكنه في نظرنا ثاني تدخل بعد جنوب روديسيا 1965م، والفارق بينهما أنه في جنوب روديسيا تم لفرض الديمقراطية، وهنا لحماية وإعادة الديمقراطية.
([30]) انظر: د. عماد الدين عطاء الله، التدخل الإنساني، مرجع سابق، ص191-192.
([31]) وأثارت قرارات مجلس الأمن تخوفاً واسعاً بسبب توسيع مفهوم السلم والأمن الدوليين، بغرض توسيع اختصاصات مجلس الأمن، الذي جمد أرصدة هاييتي، قراراته رقم 3001/91، 814/93.
([32]) واستند كلينتون لنظرية الديمقراطية، وتدفق اللاجئين لبلاده، معلناً أن عهد الطغاة قد انتهى، ولكن الكونجرس اعترض على قرار الحرب، لعدم أذنه بذلك، وأذن مجلس الأمن، لا يخول الدول سوى التدخل وفقاً لدساتيرها، أنظر:
- Roth, B,r, Govern Ment, 111egtimacy in International Low, oxford: Clarenon press, 1999, p.383.
([33]) انظر: د. عماد الدين، المرجع السابق، ص197.
([34]) انظر: د. عماد الدين عطاء الله، مرجع سابق، ص204.
([35]) انظر:
- Gordon, R, united nations Intervention Internal Conflicts Iraq, Somalia, 15, MICHIGAN, J,I,L, 1993,P.573.
([36]) انظر: د. حسام هنداوي، التدخل الإنساني، مرجع سابق، ص217.
([37]) انظر:
- U.N Doc S/PV, 2982, 1991, P. 27.
([38]) انظر خطبة بوش على الانترنت:
- http://bushlibrary,tamu.edu/research/papers/1991/910215.2.htm
([39]) انظر: د. بطرس غالي، الأمم المتحدة والصومال، 1992م، الكتب الزرقاء، مجلد 8، 1996م، ص13.
([40]) وهي منظمة تحت إقليمية، مكونة من 15 دولة في غرب إفريقيا، نشأت عام 1975م، هدفها اقتصادي، لكنها أبرمت اتفاقية دفاع مشترك، أنظرها على الانترنت بالعنوان التالي: http://www.sec.ecowas
([41]) انظر: تقرير الأمين العام حول المسألة الليبرالية على الانترنت، U.N Doc SL, 25402, 1993, P. 3
وكان الكونجرس الأمريكي قد علق مساعداته إلى ليبريا على تنظيم انتخابات حرة.
([42]) قراره رقم 788/1994م، حتى اعتقد البعض أن المجموعة الاقتصادية تعد منظمة إقليمية.
([43]) انظر: د. عماد الدين عطاء الله، التدخل الإنساني، مرجع سابق، ص178.
([44]) انظر: القرار رقم 1132/1997م، لمجلس الأمن، وقرر إرسال لجنة لنزع السلاح في قراره رقم 1220/1998م.
([45]) انظر: مسعد عبد الرحمن زيدان، تدخل الأمم المتحدة في النزاعات الداخلية، 2001م، القاهرة، ص171.
([46]) انظر: محمد يعقوب عبد الرحمن، التدخل الإنساني، مرجع سابق، ص229.
([47]) انظر: مسعد عبد الرحمن زيدان، مرجع سابق، ص175.
([48]) انظر: كرستين تشنكين، كوسوفا، حرب أخيرة أم قذرة، مرجع سابق، ص80.
([49]) انظر: د. محمد علي جاد، الهجوم الأمريكي على العراق، الهيئة المصرية للكتاب، 2005م، ص168.
([50]) انظر: جريدة الأخبار، عدد (1/4/2003م) القاهرة، ص6.
([51]) انظر: جريدة الأهرام، القاهرة، عدد (19) يوليو، 2003م، ص5.
([52]) انظر: د. عماد الدين عطاء الله، التدخل الإنساني، مرجع سابق، ص554. كما أن د. الغنيمي في قانون السلام يؤكد مشروعية التدخل الإنساني، وكذلك د. علي أبو هيف، ولكننا لم نجد لهما رأياً حول التدخل لأجل الديمقراطية الذي يعد صورة من صور التدخل الإنساني، انظر محمد يعقوب عبد الرحمن، التدخل الإنساني، مرجع سابق، ص27.
([53]) أما التدخل العسكري لمراقبة الديمقراطية، فنرى بصعوبة تصور وجوده، لم توجد ممارسة إلى الآن ـ عسكرية ـ لأن المراقبة تكون بالوسائل غير العسكرية كفرض الجزاءات وغيرها، رغم أن قوات حفظ السلام أسندت لها مهمة مراقبة الانتخابات.
([54]) انظر: د. محمد مصطفى يونس، النظرية العامة لعدم التدخل، مرجع سابق، ص797.
([55]) والحالات السابقة يجمعها ضابط عام وهو أن الديمقراطية قد وجدت عبر انتخابات حقيقية ولكنها تتعرض أو تعرضت للإطاحة بها، كما أدان العالم إطاحة الانقلابيين في موريتانيا في8/2008م بأول رئيس موريتاني منتخب.
([56]) انظر: د. عثمان الهلالي، الأمن الجماعي الدولي، مرجع سابق، ص314 وما بعدها.
([57]) انظر:
- Franck, T.M. the Emerging right to Democratie 86, American J.I.L, 1992, P.50..
([58]) انظر:
Chesterma, S. Just, op. cit, p.98.
([59])وهذا الدليل قوي ويؤكد صاحبه وجود مئات من حالات إلغاء الانتخابات لم تتدخل الأمم المتحدة بشأنها، انظر:Heakin أشار إليه د. عماد الدين عطاء الله، التدخل الإنساني، مرجع سابق، ص564.
([60]) المرجع السابق، ص567.
([61]) راجع المطلب الأول من هذا البحث.
([62]) كما أن عملية بناء الديمقراطية قد تأتي كمرحلة لاحقة بعد قيام الأمم المتحدة بواجبها في حفظ السلم أو التدخل الإنساني.
([63]) حيث بلغ عدد الدول الديمقراطية عام 2004م حوالي (120) دولة ، أنظر : د. محمد فهيم درويش، الشرعية الدولية لحقوق الإنسان، مرجع سباق ، ص69.
([64]) انظر: د. سيباني في د. محمد تاج الدين الحسين، المجتمع الدولي وحق التدخل ، مرجع سابق، ص34.
([65]) انظر تعريف التمييز العنصري، في الاتفاقيتين الدوليتين لمكافحة التمييز العنصري والفصل العنصري.
([66]) انظر: السيد: تسيين، أوهام التدخل الديمقراطي، على شبكة الانترنت، الموقع:
([67]) انظر : د. محمد مصطفى يونس، مرجع سابق، ص907.
([68]) انظر : د. محمد يعقوب عبد الرحمن، مرجع سابق، ص107.
([69]) انظر : د. محسن جاد، الهجوم الأمريكي على العراق، مرجع سابق، ص97.
([70]) انظر : د. عماد جاد، التدخل الإنساني، دار النهضة، 1999م، ص47 وما بعدها.
([71]) انظر: د. عماد الدين عطا الله، التدخل الإنساني، مرجع سابق، ص534.
([72]) انظر: د. مصطفى أبو الخير، النظرية العامة للأحلاف العسكرية، ايتراك للطباعة، مصر، 2005م، ص300.
كما أن الميثاق لم يعرف الأحلاف لذلك اختلف الفقه حول علاقتها بالمنظمات الإقليمية إلى رأيين أنهما شيء واحد والآخر لا، المرجع السابق، ص187.
([73]) انظر : د. حسن نافعه، الأمم المتحدة في نصف قرن، عالم المعرفة، العدد202 و1995، ص50.
([74]) وقال البعض إن المنظمات الإقليمية تدخل ضمن أجهزة الأمم المتحدة وكذلك الأحلاف العسكرية، د/ عائشة راتب، التنظيم الدولي، دار النهضة، 1999م، ص102.
([75]) انظر: د. مصطفى أبو الخير، مرجع سابق، ص220.
([76]) انظر : د. مفيد شهاب، المنظمات الدولية، مرجع سابق، ص204.
([77]) انظر : د. محمد مصطفى، مرجع سابق، ص582.
([78]) انظر : د. عثمان الهلالي، الأمن الجماعي الدولي، ص720.
([79]) وهذه الشروط لم تتوافر في التدخل الأمريكي في الدومنيكان، د. عثمان الهلالي، مرجع سابق، ص720.
([80]) ويؤكد البعض ان ميثاقها لا يعطي الدول أي حق في التدخل العسكري، وهو يستفاد من موقف المنظمة في أزمة الصواريخ الكوبية، د. عماد الدين عطا الله، التدخل الإنساني، مرجع سابق، ص75.
([81]) وهي منظمة بين 7 دول صغيرة من الكاريبي التي ليست طرفاً في منظمة الدول الأمريكية.
([82]) يرى البعض مشروعية الدفاع الشرعي من المنظمة ويجوز لها دعوة أي دولة صديقة، في حين يرى آخرون أن اختصاصها محدد بحالات العدوان الخارجي وفق الميثاق، د. عماد الدين، مرجع سابق، ص87.
([83]) وقيل بأن المجموعة ملزمة بموجب ميثاقها بالتعاون مع سلطة الدولة محل التدخل، كما أنها لا تملك سلطة تقرير وجود تهديد للسلم، د. عماد الدين، المرجع السابق، ص178.
([84]) انظر : - Ofodile, A,C,op. cit, P. 414 أشار إليه د. عماد الدين عطا الله، التدخل الإنساني، مرجع سابق، ص577.
([85]) حكم المحكمة الصادر في 27 يونيو 1986م.
([86]) انظر: د. عماد الدين عطا الله، مرجع سابق، ص565.
([87]) ويؤكد البعض أن هدف الحلف الأساسي هو محاربة المد الشيوعي، د. مصطفى الخير، مرجع سابق، ص474.
([88]) انظر :
- Cutlr, N, The Right to Intervene, foreign, A, 1985, P, 160.
([89]) انظر :
- Weede, E, some simple cal culations democaravy and war movement, 28, j. p. Research, 1992, p.377.
([90]) انظر :
- chesterman, S. Just, of. Cit, P.126.
([91]) انظر :
- Forsythe, D,P, Democracy, War, and Covert Action, 29, J.P, Research, 1992, P.386.
([92]) انظر :
- Schachter, O, IN, Defnse of International Rules The USA of force, 53, U, chicage, 1986, P, 138.
([93]) انظر :
- Forsythe, D,P, Democracy, War, and Covert Action, 29, J.P, Research, 1992, P.386.
([94]) انظر : د. عماد الدين ، مرجع سابق، ص547.
([95]) انظر : د/ عماد الدين عطاء ، مرجع سابق ،ص67.

المراجع:
1) دار النهضة العربية، القاهرة، 2004م د/ عماد الدين عطاء الله، التدخل الإنساني.
2) قرار الجمعية العامة رقم 1747 عام 1962م.
3) النظرية العامة لعدم التدخل، دار النهضة العربية، 1995، د/ محمد مصطفى يونس.
4) قرار مجلس الأمن رقم 217، 20 نوفمبر 1965م.
5) حروب التدخل الأمريكي، ترجمة منعم النعماني، دار ابن خلدون، بيروت، 1974م، ريتشارد بارنت.
6) قرار الجمعية العامة رقم 7/38، لعام 1983م.
7) أمريكا التي تعلمنا الديمقراطية والعدل، بيروت، 1998م، د. فهد الحارثي.
8) وأثارت قرارات مجلس الأمن تخوفاً واسعاً بسبب توسيع مفهوم السلم والأمن الدوليين، بغرض توسيع اختصاصات مجلس الأمن، الذي جمد أرصدة هاييتي، قراراته رقم 3001/91، 814/93.
9) واستند كلينتون لنظرية الديمقراطية، وتدفق اللاجئين لبلاده، معلناً أن عهد الطغاة قد انتهى، ولكن الكونجرس اعترض على قرار الحرب، لعدم أذنه بذلك، وأذن مجلس الأمن، لا يخول الدول سوى التدخل وفقاً لدساتيرها.
10) خطبة بوش على الانترنت:
- http://bushlibrary,tamu.edu/research/papers/1991/910215.2.htm
11) الأمم المتحدة والصومال، 1992م، الكتب الزرقاء، مجلد 8، 1996م، د. بطرس غالي.
12) التدخل الإنساني بين الاعتبارات الإنسانية والأبعاد السياسية، مركز الدراسات، القاهرة، 2000م. د. عماد جاد.
13) وهي منظمة تحت إقليمية، مكونة من 15 دولة في غرب إفريقيا، نشأت عام 1975م، هدفها اقتصادي، لكنها أبرمت اتفاقية دفاع مشترك، أنظرها على الانترنت بالعنوان التالي: http://www.sec.ecowas
14) تقرير الأمين العام حول المسألة الليبرالية على الانترنت، U.N Doc SL, 25402, 1993, P. 3
15) قرار مجلس الأمن رقم 788/1994م، حتى اعتقد البعض أن المجموعة الاقتصادية تعد منظمة إقليمية.
16) قرار مجلس الأمن رقم 1132/1997م، لمجلس الأمن، وقرر إرسال لجنة لنزع السلاح في قراره رقم 1220/1998م.
17) تدخل الأمم المتحدة في النزاعات الداخلية، 2001م، القاهرة، مسعد عبد الرحمن زيدان.
18) الهجوم الأمريكي على العراق، الهيئة المصرية للكتاب، 2005م، د. محمد علي جاد.
19) جريدة الأخبار، عدد (1/4/2003م) القاهرة.
20) جريدة الأهرام، القاهرة، عدد (19) يوليو، 2003م.
21) والحالات السابقة يجمعها ضابط عام وهو أن الديمقراطية قد وجدت عبر انتخابات حقيقية ولكنها تتعرض أو تعرضت للإطاحة بها، كما أدان العالم إطاحة الانقلابيين في موريتانيا في8/2008م بأول رئيس موريتاني منتخب.
22) انظر تعريف التمييز العنصري، في الاتفاقيتين الدوليتين لمكافحة التمييز العنصري والفصل العنصري.
23) أوهام التدخل الديمقراطي، على شبكة الانترنت، السيد: تسيين، الموقع:
24) التدخل الإنساني، دار النهضة، 1999م، د. عماد جاد.
25) النظرية العامة للأحلاف العسكرية، ايتراك للطباعة، مصر، 2005م، د. مصطفى أبو الخير.
26) الأمم المتحدة في نصف قرن، عالم المعرفة، العدد202 و1995، د. حسن نافعه.
27) التنظيم الدولي، دار النهضة، 1999م، د/ عائشة راتب.
28) الأمن الجماعي الدولي، د. عثمان الهلالي.
29) حكم المحكمة الصادر في 27 يونيو 1986م.
30) Reisman, W, M. Humanitation Intervention and fledgling Democra Cies, Fordham, J.L.J 1995
31) Mclaren, J.P.S THE Dominican Crisis, Aninter. American, Dilemma, t , Canadian, Y , B , I , L ,1966,
32) Fenwick, C,G, The Dominican Republic , Intervention or collective self. Defence, 60, American, J.I.L, 1966,
33) BECK, L, D, The LEGALTY of the united states Intervention in Grenada, 31, Netherlands, I , L , R, 1984.
34) Wauthier, C, Frances Year In Africa , 11, A.C. Records, 1987. P.191.
35) Sofaer, A.d, The Legality Of the united states Action in panama, 29, Columbia.
36) Quigley, The Legality of the united states invasion of panama, 15, Yale, J.I.L, 1990.
37) Nanda, V.P, op. cit.
38) The Legitimacy of ahovernment depends on its respect for Individual Rights and on the consent The gove rnd, 1986.
39) Roth, B,r, Govern Ment, 111egtimacy in International Low, oxford: Clarenon press, 1999.
40) Gordon, R, united nations Intervention Internal Conflicts Iraq, Somalia, 15, MICHIGAN, J,I,L, 1993.
41) U.N Doc S/PV, 2982, 1991.
42) Franck, T.M. the Emerging right to Democratie 86, American J.I.L, 1992.
43) Chesterma, S. Just, op. cit.
44) Cutlr, N, The Right to Intervene, foreign, A, 1985.
45) Weede, E, some simple cal culations democaravy and war movement, 28, j. p. Research, 1992.
46) Forsythe, D,P, Democracy, War, and Covert Action, 29, J.P, Research, 1992.
47) Schachter, O, IN, Defnse of International Rules The USA of force, 53, U, chicage, 1986.
48) Forsythe, D,P, Democracy, War, and Covert Action, 29, J.P, Research.